المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء مصطفى أبوجبارة Headshot

نحن لا نحب أبناءنا!

تم النشر: تم التحديث:

كم يحدث أن تغار الأم من كل نجاح تحققه فتاة عزباء، فترى في نفسها "أم العيال" السمينة التي أوشكت مهامها اليومية أن تطمس طموحاتها بحبر من شيب ظهر باكراً أم أتى على موعده لا تدري.

هذه الغيرة أخذت نصيبها من نفسها وممن حولها، فلا توبيخها لأطفالها دائماً في مكانه، ولا جلدها لذاتها يدفعها للأمام.

في هذه السطور أكتب عن سابق إصرار وتذّمر فيما يتعلق بتجربتنا مع الأبناء اليومية.
نحن نعيش حياة إما نختارها أو يجب أن نعيشها، ولسنا دائماً موفقين بحسن الاختيار، اخترنا مرة أن نكون متزوجين، ونحن نعي إلى حد كبير كيف ستضيق خياراتنا كوالدين في مرحلة لاحقة.

الحالة التي سترافق الأم أينما حلت بشكل أبدي هي حالة الأمومة التي يذوب أمام مسمّاها الوظيفي الدائم أي اهتمام أو هواية، كما جاء في حكم المجتمع عليها.

اعتياد الشكوى من مسؤولية الأبناء نقرأها على لسان الأم فقط، فقد ملّ الزوج هذه الشكوى في المنزل، ولن يبذل جهداً ليقرأها أيضاً، هو يعي تماماً ويدرك الاستنزاف اليومي الذي تعانيه زوجته في المنزل، وإن كان للأب النصيب الأقل منها، فيكفيه عبئاً هذا المصروف اليومي، الذي هو أضعاف مصروف ما كنا نطمح له قديماً كأبناء.

هل للأم أن تضع نفسها بدل زوجها الخلوق يوماً وتشكو بلسانه؟

الأبناء والامتحانات اليومية، منها المفاجئة ومنها من اجتهدنا لمذاكرتها، وكل له علامته، الأبناء هم مصدر الأفعال والأسماء والهموم والأوجاع ومفهوم آخر للخسارة والربح في الحياة، هم زينة المنزل التي لن تعود تتماشى مع أثاثه القديم يوماً، فهذه هي دورة الحياة، وكم يصعب علينا أن تهمّشنا وتمضي دون أن نكون أبطالاً فيها، أكره الأدوار الثانوية في الحياة، ودائماً ما يشدني دور البطولة.. فمن أنتم؟
سوف نكبر مع أحلام أطفالنا، سوف نكبر ونحن ما زلنا نشرب قهوتنا بدون سكر في ربيع عربي حل بأجواء الخريف والشتاء الحزينة والقاسية، سوف نكبر ونحن نتساءل هل فعلنا ما نريد؟ وهل كان جديراً بإرادتنا؟

سوف نكبر ويضيع من وقتنا الكثير في الشكوى، فهل كان الأجدر بنا أن نقرأ أكثر في تربية الأبناء ونحاول تطبيق أساليب جديدة في تربيتهم، تمنحهم مزيداً من اللعب ومزيداً من الزلازل المنزلية؟ طاقتهم التي تقض مضجعنا لا ذنب لهم فيها.

ربما يتمنى أحد أطفالنا الذي كبر أن يصبح طياراً، نشجعه ونأخذ بيده، متناسين ما حلمنا به يوماً: دراسة الماجستير، السفر حول العالم، أو حتى مشروع عمل خاص ذهبت تحويشته لحاجة في نفس أكبرهم.

توحي لنا صورة أي عائلة على الإنستغرام بمثالية الحالة، التي ليس من المفروض أن تنسحب على بقية حالاتهم الأخرى في العمل وسوق الخضرة والمرض والروتين اليومي، هذه حقيقة وليس تناقضاً، وربما يعتقد الوالدان في موقف ما أنهما لا يحبان أطفالهما، لا يفضلان الطريق الذي يقتصر على اتجاه واحد في الحياة، وهو الطريق الذاهب في مسؤولية لا رجعة عنها، يكرهان هذا التعلق فيهم، ويكرهان دور الوالدين طويل الأمد، لن ينهي صلاحيته أي تاريخ وأي مكان، علاقة أزلية لا تكف عن حرق أوقاتنا، فتمر جمعتان ومازلنا نظنها الجمعة الأولى.

أب أو أم، كثير من شكواهما ذابت في دموعهما التي ذرفاها مع كل شك إبرة مطعوم لامست جلد أطفالهما، أو شويت في الفرن مع طبق اليوم، أو رميت مع ألعاب قديمة كانت محط اهتمام أطفالهما، أو انمحت نهائياً في كومة غسيل خرجت نظيفة تماماً من الغسالة.

نحن في صراع لفهم علاقتنا مع أبنائنا، ونتساءل: هل نتمسك بمن سيحاولون خلق مستقبل أفضل بعيداً أو قريباً عنا وذلك يتعلق بمكان رزقهم وليس مكاننا!
نحن نظلمهم أيضاً، نظلمهم عندما نرى فيهم العقبة التي تستهلك طاقتنا، والشماعة التي نرمي عليها قلة حيلتنا، نظلمهم عندما نفكر بسرنا كيف سيكون شكل حياتنا بدونهم، ونكره أنهم جمعوا الخطوط تحت أعيننا في ليالٍ شابهت النهار بقربهم.

ولكن في يوم الأم أنحاز إلى الأم أكثر من الأب، وفي كل الأيام.
في يوم الأم أنحاز إلى الأم الوحيدة بسبب الطلاق أو الموت أكثر.

في يوم الأم أنحاز إلى الأم الفقيرة أكثر، والأم الثكلى أكثر، والمسجونة والمريضة والعاملة والمقهورة والمعنفة والمغتربة واليتيمة، التي تعتبر التضحية واجباً أنحاز لها أكثر.

وحتى الأم التي فقدت جمالها أنحاز لها أكثر من الأب، والأم التي لا وقت لها لقراءة هذا المنشور أنحاز لها أكثر وأكثر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.