المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء يوسف Headshot

الثورة مستمرة "1" | مش أحسن من فرنسا

تم النشر: تم التحديث:

"الثورة الفرنسية"!

أجبتُ رداً على سؤال وجّه إليَّ عقب الثورة، حول أي المسارات الثورية يمكن أن تسلكه الثورة المصرية، ففي أعقاب الثورة المصرية ومع ارتفاع بعض الأصوات المنادية بمحاكمات ثورية وإعدامات في الشوارع وتزامن ذلك أيضاً مع التباطؤ في تنفيذ مطالب الثورة، كنت متخوفة بأن ينتهي الأمر بثوار مصر إلى ما شهدته الثورة الفرنسية، خاصة ما سُمي بـ"عهد الإرهاب"، ولكن ما حدث كان مختلفاً،

فقد مارس الثوار في فرنسا الإرهاب تحت مظلة التخويف من "الثورة المضادة"، وقد مارست الثورة المضادة في مصر الإرهاب تحت دعاية الترهيب من الإرهاب نفسه، وكأن الثورة المصرية اتخذت لنفسها مكاناً من الثورة الفرنسية كالذي اتخذته جدلية ماركس من جدلية هيغل.

تطلب الأمر الكثير من الوقت ومن المماطلة وخذلان الثورة في فرنسا حتى تحول الإصلاحي إلى جذري، والسلمي إلى عنيف، ولتخرج العملية الثورية عن حدودها البورجوازية إلى الجذرية بدرجة لم يتحملها الثوار أنفسهم، فهل من سبيل للاستفادة؟ أم علينا فقط تكرار التاريخ بكل عثراته ودمويته إذا أردنا الوصول إلى نتائج معينة؟ وهل ما وصل له الفرنسيون بعد كل ما شهدوه من قمع يعد إنجازاً في صالح المبادئ الإنسانية والتحرر؟ وهل كان يمكن الوصول إلى ذلك بكلفة أقل؟

الجيرونديونز: من حلم التغيير إلى القمع

لم يخطط الفرنسيون بالتأكيد لكل ما حدث إبان الثورة الفرنسية، فكل ما أرادوه من وراء ثورتهم البورجوازية استبدال الملكية المطلقة بملكية دستورية، حتى إنه لم تلغَ الملكية إلا بعد ثلاث سنوات من قيام الثورة، في 31 سبتمبر/أيلول 1792، فبحلول انعقاد الجمعية التشريعية الأولى للدستور في أكتوبر/تشرين الأول 1791 كان من الواضح أن الثورة تدخل في المشكلات وتواجهها الكثير من التحديات،

فعلى المستوى الداخلي كانت أزمة المهاجرين واضطرابات الثورة المضادة في الجنوب، وحالة عدم اليقين بشأن الملك وموقفه من الثورة ومن علمية التغيير، والاختلافات بين الوطنيين المعتدلين والراديكال، والانقسامات الدينية.

أما على المستوى الخارجي فالموقف الدولي كان ضبابياً ولاحت تهديدات الحرب من خلال إعلان Pillnitz، فكان أمام الجمعية التشريعية أحد خيارين؛ إما أن تتخبط وتقدم تنازلات مسترضية للثورة المضادة والملك، أو تقوم بالمواجهة، وتم اختيار طريق الحسم بتأثير مجموعة راديكالية صغيرة من النواب وهم الـ Brissotins عرفوا بعدها بالـ Girondins (الجيرونديون أو الجيرونديونز). كانوا فاقدي الثقة في الملك ورجال الدين لكراهيتهم للثورة، ومثل لهم اللاجئين والمهاجرين تهديداً حقيقياً بالإضافة لعدائهم للنمسا كداعم للثورة المضادة، وارتأوا التخلص من المهاجرين، والذين كانوا يحظون بدعم الملك؛ لأنه كان يأمل أن تقود أزمتهم إلى حرب، وبالتالي سقوط الثورة.

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني حرضت الجمعية المقترعين في Trier وMainz على طرد اللاجئين من المقاطعتين، ولما ردَّ الإمبراطور Leopold بأن النمسا ستحميهم، صعد الجيرونديونز في اتجاه الحرب، واستجاب الملك آملاً إفشال الثورة، وبحلول 20 أبريل/نيسان من نفس العام كانت فرنسا قد أعلنت الحرب على النمسا.

ومن هنا كانت البداية، بداية التحول من النهج الإصلاحي إلى النهج الراديكالي، ذلك النهج غير المعيب بذاته، ولكن ما صاحبه من هوس وجنون هو ما جعل الأمور تؤول إلى ما آلت إليه.

الحرب وبدايات القمع

قاد الجيرونديونز الدعاية للحرب وأكدوا فيها على مسألتين قربتا الإرهاب خطوة أكثر؛ الأولى: قيامهم بتهذيب فكرة الحرب وتحويلها من موضة قديمة ممثلة في الصدام بين الموناركيات المتنافسة إلى صراع حول الحرية وخلطوا ما بين الحرب والثورة، حتى إن Brissot قال إن الحرب "حملة صليبية لتحرير العالم" وأقنع الناس بأن الشعوب سترحب بالجيوش الفرنسية، وبشر بسقوط الأنظمة المستبدة وتحول أوروبا، وأنها ستكون بداية لنظام أوروبي جديد قائم على المبادئ الفرنسية للحرية.

النتيجة كانت النمو السريع للمشاعر الوطنية والفخر بالثورة، وساد الاعتقاد بأن النصر مسألة حتمية لمستقبل الإنسانية.

المسألة الثانية: ربطوا معارضة فكرة الحرب بالخيانة وأكدوا أن الحرب سوف تكشف الخونة، حتى إن بعضهم نادى بتخصيص أماكن معينة للمعارضين السياسيين الخونة ليسهل إعدامهم.

كانت الحرب كارثة على المدى القصير وتراجعت القوات الفرنسية، فألقى الجيرونديونز اللوم على مؤامرة الثورة المضادة، ثم اختلفوا مع الملك بخصوص وضع قوات من الحرس الوطني على حدود باريس، فهو كان مقتنعاً بأن الهزيمة على الأبواب، ولأن الحرب سوف تكشف الخونة كما أعلن الجيرونديونز في البداية، كانت اللحظة مواتية لهم للتخلص من الملك،

كما أن دعاية الحرب قد أثارت مشاعر الحماس الوطني في باريس ما بين فئات العمال والحرفيين ومن عرفوا بالـ Sans-culottes (1)، وباستمرار تعنت الملك رفض الجيرونديونز التحرك ضده؛ لأنه سيكون تحركاً غير دستوري، ولأنهم كانوا على علم بقوة الـsans-cullote، فدفعوهم أو حتى غضوا الطرف عنهم، وبالفعل قام sans-cullote وبعض أعضاء نوادي اليعاقبة بعصيان مسلح في 10 أغسطس/آب 1792 وهاجموا الـTuileries Palace وتم عزل الملك بالقوة؛ لتصبح فرنسا جمهورية ديمقراطية، بمعنى أن الشعب هو الذي جاء بها، ومثلت كومونة باريس بطريقة أو بأخرى أحد أشكال الديمقراطية المباشرة بالمعنى القاعدي وليس بالمعنى الأثيني.

الثورة المضادة

بدأت الثورة المضادة في الداخل والخارج عملها، وبدأ الجيرونديونز يتذرعون بمؤامراتها لمداراة أي فشل، وراحت كومونة باريس تضغط على الجمعية لتحقيق مطالب الثورة من إلغاء كل مظاهر الإقطاع وتمليك الأراضي للفلاحين وإبعاد الكنيسة عن أي دور سياسي ووقف إنفاق الدولة عليها، والسماح للجنود من النظاميين والمتطوعين بانتخاب قياداتهم.

ازدادت تحركات الثورة المضادة، ومعها ازدادت ضغوط الكومونة، عن طريق لجنة السلامة العامة، على الجمعية التشريعية لتزداد الخلافات بين الجمعية واللجنة المسيطر عليها من قبل اليعاقبة (2)، الذين جاءت معظم مطالبهم في صالح جذرية الثورة وتحقيق مطالبها.

أعدم الملك في 21 يناير/كانون الثاني 1793، وبدأ نفوذ لجنة السلامة العامة ومن ثم اليعاقبة يزداد، فبدأ الجيرونديونز في قمعهم ليحتدم الصراع بينهما، ونفد صبر اليعاقبة بسبب تباطؤ وإصلاحية الجيرونديونز فقادوا جماهير كومونة باريس وفي 2 يونيو/حزيران 1793 حاصروا الجمعية وقاموا بتوقيف عدد من نواب الجيرونديونز وفرضت اللجنة سيطرتها.
وهكذا أخرج أحد رفقاء الثورة رفيقه من المشهد، وانفرد بالأمر؛ ليزداد شتاتهم، ولينتهي قمع الجيرونديونز؛ ليبدأ بعده إرهاب اليعاقبة.
يتبع..

ـــــــــــــــــــ
(1) كانوا معادين للموناركية منذ الرحلة إلى Varennes ومجزرة Champ de Mars وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا تياراً سياسياً بعينه فإنهم كان لهم دور في دفع الأحداث السياسية في البلاد.

(2) اليعاقبة متنوعون ما بين المحافظة والراديكالية، جمعت القيم الجوهرية لليعقوبية بين الأفكار الديمقراطية لـJean-Jacques Roussea وقيم ليبرالية أوسع لحركات تنوير القرن الثامن عشر، فأخذت من روسو إيمانه بالمساواة والعدل، وبأن الفضيلة المدنية civic virtue جوهرية لقيام لدولة متجانسة وديمقراطية، ومن الحركات التنويرية ثقتها في المنطق الإنساني، والإيمان بالحرية الشخصية، ومع الوقت أصبحت نوادي اليعاقبة أكثر راديكالية وتقدمية، فكلما تجذرت الثورة ازدادوا تقدمية والعكس بالعكس، فمعظم اليعاقبة 1789 كانوا محافظين جداً ليقبلوا نوادي في 1794، خاصة نادي باريس الذي كان أكثرها تقدمية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.