المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء يوسف Headshot

الثورة مستمرة "2" | تحيا فرنسا (ثلاث مرات)

تم النشر: تم التحديث:

"أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض" حكمة اختبرتها الإنسانية حد الملل، واعتادت على تجربتها حد التماهي معها، استوعب اليعاقبة الدرس فأكلوا الثورَين معاً، فكان القضاء عليهم أسهل.

عهد الإرهاب

بوصول اليعاقبة للسلطة وإزاحتهم للجيروندينز، أصبح الناس يعاقبة، وانضموا إلى نواديهم، إما بدافع الحماس الثوري، أو لأن النوادي كانت قد أصبحت جزءاً من الماكينة الإدارية، بدأت الخلافات تدب داخل جمعية السلامة بين البراغماتيين كـLazare Carnot، الذي كان هدفه الأساسي كسب الحرب وتأسيس وترسيخ الجمهورية، والمثاليين مثل Robespierre، الذي أراد أن يغير المجتمع بشكل جوهري، وكانت إشكالية المثاليين أنهم لم يجتمعوا على برنامج وطني مفهوم، فقط اجتمعوا على دعم القمع وتقنينه بعد ذلك.

ومع تفاقم الموقف واحتدام الصراع الطبقي، وعدم الاستقرار، وممارسات الثورة المضادة، وتقدم بريطانيا نحو السواحل الفرنسية، استغل اليعاقبة الظرف، ومنحت لجنة السلامة نفسها صلاحيات مطلقة، وقررت تثبيت اللجنة وعدم تجديد انتخابها إلا بعد النصر.

وأصبحت "مؤامرة الثورة المضادة" و"عدم الوطنية" مبررات للقمع، وانطلقت مظاهرات بتحريض اليعاقبة، وبعض قادة الرأي في سبتمبر/أيلول 1793 مطالبة بتقنين الإرهاب، تحت مسمى التطهير الثوري، وفي يوم 11 صدر قانون المشتبه بهم، الذي يمنح مندوبي لجنة السلامة واللجان الثورية سلطة المحاكمة العاجلة والثورية للمشتبه في تورطهم في مؤامرات الثورة المضادة.

واصلت الثورة المضادة عملها، وفقد الشعب الثقة بالثورة وباليعاقبة معاً، مما عُد نوعاً من الصدمة لليعاقبة ورأي روبسيبير، أكثرهم مثالية، أن السبيل إلى المجتمع الأمثل هو تنوير الشعب والارتقاء بأخلاقه؛ لينتهي إلى تقليعة "المواطن الأسمى"، محاولاً استبدال دور الكنيسة.

أغرق اليعاقبة في هوسهم الثوري، ونادوا بما سمَّوه "خلق مواطنين جدد للجمهورية الجديدة،" وبدأوا عملية فرض أسماء الثوار على الناس، وتجريم الأسماء القديمة. وتبنت لجنة السلامة صرعة "الكائن الأسمى"، وكانت بمثابة الإصلاح الأخير للجنة قبل أن تسقط الجمعية في أواخر يوليو/تموز 1794.

نهاية السان كيلوت

قام اليعاقبة بوضع حد أقصى لزيادة أجور العمال، ورفعوا الحظر عن السوق السوداء، فاستكمل السان كيلوت مسيرتهم النضالية في المناداة بالمساواة الاجتماعية، وإلغاء الملكية الخاصة، وكما طال العنف مصالح البورجوازيين الكبار من الجيروندينز في الماضي، طال أيضاً مصالح البورجوازيين الصغار (ومن أصبح من الكبار) من اليعاقبة، وخرج السان كيلوت عن سيطرتهم، كما حدث وخرجوا عن سيطرة الجيروندينز، فكان رد اليعاقبة مزيداً من القمع ضد السان كيلوت، وأغلقوا نواديهم ومنظماتهم وقاموا بحظر العديد من الصحف الراديكالية وبعض الجمعيات النسوية الثورية، وألقوا القبض على العديد من القادة الشعبيين الثوريين الذين حرَّضوهم هم أنفسهم قبل ذلك للمطالبة بتقنين الإرهاب، ثم قاموا بإعدام الجميع بالمقاصل دون محاكمة في مارس/آذار 1794.

ففي صيف 1793 كانت نسبة السان كيلوت 10% من تعداد الذكور في باريس، بحلول صيف 1794 لم يعد يتبقى منهم سوى القليل جداً وبلا تأثير.

الطريق إلى تريميدور ونهاية الإرهاب

لم يكن من الممكن استمرار الأمور هكذا، كما كان من المستحيل تحقيق مطالب الثورة، فقد أسست المحاكم السياسية التي أرسلت الآلاف من المساجين إلى موتهم بسبب التمرد أو المعارضة السياسية، وفشل اليعاقبة في تلبية مطالب الفقراء، فمساحة الأراضي الخاضعة لتشريع Ventose كانت صغيرة جداً لتحل مشكلاتهم، وكثير من الفقراء كانوا يعيشون في المدن؛ حيث يقل استخدام الأرض، واستطاعت مساعدات الدولة إعالة القليل من الأرامل والمرضى والعجائز.

لم يتقبل الناس صرعة "الكائن الأسمى"؛ لأنها ارتبطت في أذهانهم بالإرهاب، وأدركوا أنها مجرد استبدال للقيم المسيحية، وأرادوا استرداد كنائسهم ورهبانهم وأعيادهم؛ لتظهر بوضوح مأزومية اليعاقبة في انهيار كل شعاراتهم وأوهامهم عن المجتمع الشيوعي المثالي أمام الواقع وأمام خوف البعض على مصالحهم أيضاً.

لم يلُح في الأفق أي أمل لتطور الأوضاع، كل المعطيات كانت تقول باستمرار المقصلة في العمل بلا توقف، وبمجيء صيف 1794 وصل معدل الإعدام في اليوم الواحد إلى ثلاثين شخصاً في باريس وحدها.

خلال عهد الإرهاب كان هناك ما يزيد على 300000 مسجون في فرنسا، وأعدم أكثر من 16000 شخص بالمقصلة، وأكثر من 10000 ماتوا في السجون بدون محاكمات، وما يزيد على 200000 ماتوا في الحرب الأهلية في Vendee غرب فرنسا، وبنهاية يوليو/تموز 1794 بلغ عدد المساجين في سجون باريس حوالي 8000 تقريباً، والعدد كان في زيادة مطردة وبثبات، ومع استمرار الإعدامات لشهور للتخلص من الجميع، لم يكن هناك أي أمل للتحول إلى ديمقراطية سلمية، وكان التوقع الوحيد للمراقبين في صيف 1794 هو مزيد من الإرهاب وسلطة أوسع لجمعية السلامة العامة وموت أكثر للفرنسيين.

تضافرت العديد من العوامل لتأخذ الإرهاب والقمع إلى نهايته، ففيما يتعلق بالحرب، كانت هناك عدة انتصارات في صيف 1794، فمن اجتياح كتالونيا إلى هزيمة الجيش النمساوي إلى احتلال بروكسل، وأصبحت فرنسا في مأمن من الاجتياح.

الثورة المضادة خفت صوتها تماماً في الأقاليم، وأصبحت الجمهورية الوليدة أكثر حصانة في مواجهة ضغوط السان كيلوت، فلم يعد لهم تأثير بعد حملات الاعتقال والإعدامات اليومية، وأدرك الجميع أن القمع بحجة الحرب أو الثورة المضادة أو الراديكال لم يعد مقنعاً، ولم يعد هناك أي مبرر لاستمرار إرهاب اليعاقبة أو حتى استمرارهم أنفسهم.

بدأ الخلاف يدب بين أعضاء لجنة السلامة، وبدأت الجمعية التشريعية تتدخل لتفرض سيطرتها، وفي 27 يوليو (تريميدور) 1794 صوَّتت الجمعية بالأغلبية على قرار بتوقيف روبسيبير وعدد من أتباعه، وتم إعدامه هو و21 آخرين منهم في الأيام التالية، لم يدافع عنهم الرفقاء الثوريون بعد كل ما فعلوه في الثوار والثورة، كما أنه لم يعد هناك رفقاء، فالجيروندينز كانوا قد تحالفوا مع الأرستقراط، ولم يكن يعد هناك سان كيلوت فقد أبادهم اليعاقبة.

عادت البرجوازية الليبرالية لتنهي أي مظهر من مظاهر اليعقوبية، وقامت بتصفية قياداتها وإغلاق نواديها، مما فتح الباب على مصراعَيه أمام تدخل العسكر في السياسة، وأمام اليمين المتطرف الذي راح يعتدي على كل مَن يحاول الدفاع عن الثورة، واستمرت الإعدامات والاغتيالات لمن تبقَّى من ثوار السان كيلوت وكل من كانت له صلة باليعاقبة.

لم يتحرك المجلس التريميدوري إلا بعد انتفاضتين شعبيتين في أبريل/نيسان ومايو/أيار 1795، فقام بقمع الانتفاضتين وحجَّم عصابات اليمين المتطرف.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1795 نفذت محاولة انقلابية تم إحباطها، ثم كان أن صوَّتت الجمعية التشريعية مخالفة للدستور على انفضاضها ومنح السلطة لما سمي بحكومة المديرين، وكان ذلك في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1795؛ لتبدأ مرحلة جديدة من القمع والإحباط لأي حراك شعبي، ثم تلى ذلك انتخابات في مايو/أيار 1797 أتت بأغلبية ملكية، وقامت حكومة المديرين بإلغاء هذه الانتخابات، لكن الجمعية استمرت في الانعقاد، حتى جاء نابليون بونابرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1799 واقتحم الجمعية وأعلن حلها، وتأسيس القنصلية الأولى برئاسته وبسلطة مطلقة، وراح أفراد قواته يهتفون في القاعة مرددين: "تحيا الجمهورية".
(يُتبَع)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.