المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء مصطفى Headshot

عبد الرحمن عارف.. "روح المارشميلو"!

تم النشر: تم التحديث:

الحضور كامل العدد، والعرض يسير على ما يرام، أو ربما أفضل مما توقعنا، المسرح مضاء إضاءة خافتة تسمح للجمهور رؤيتنا لكنها تحجب الرؤية عن الممثلين سوى الصف الأول، رغم ذلك، في ذروة اندماجي ألمح وجه عارف المبتسم ضمن الحضور، فأصرخ بكلمات غير مفهومة تاركة الخشبة ومن عليها وأركض لاحتضانه.

أعلم تماماً أن حياءه سيَحُول بين تَرْكي ضمه واحتضانه، لكن هذا ما رأيته ذات منام وأفقت عازمة أن أفعل ذلك فور خروجه، لكن تلك المرة لن تكون على المسرح، ستكون على بوابة السجن.

كنت أتعامل مع خروجه كأمر بَديهِي مُسلَّم به، "عارف بريء..عارف هيخرج.. بسيطة!"

لم أبكِ حين أخبروني أنه تم إلقاء القبض عليه، فأنا نفسي كنت على وشك أن يتم القبض عليَّ أكثر من مرة.
الأمر أصبح معتاداً حد الملل، ولم أبكِ حين علمت بالحكم عليه بـ15 سنة سجناً، شيء ما بداخلي يخبرني أنه مجرد إجراء روتيني بعدها سيعلن القاضي براءته في النقض.. لكنه لم يفعل!

7 أشهر مرت على رحيل أبي، لم أتوقف عن البكاء تقريباً، لكنها مجرد دموع عابرة اعتدت عليها وأصبحتْ جزءاً مني، تصالحت مع فكرة تذكره في أي وقت وأي مكان والسماح للدموع بالخروج عن حدودها حتى في حضرة الغرباء، لكن لم تعد أي أحداث قادرة على وصولي للانهيار أو الاستمرار في البكاء لمدة أطول..

ساعة كاملة أتأمل شاشة الكمبيوتر دون كلمة، بعدها مكالمة من صديق تتسبب في انهياري تماماً، في مقر العمل، وأمام الزملاء..
قُضي الأمر؟ عبد الرحمن عارف.. عارف؟ الفتي الرقيق لن يرى السماء لمدة 15 عاماً؟

***

تعارفتُه منذ 6 أعوام، كنا نعمل في المكان نفسه، إحدى المكتبات الكبرى، في أول أسبوع من العمل هناك تعرضت لموقف صعب لا أتذكر تفاصيله، لكن كل ما أتذكره هو مساعدة عارف لي، بعدها ذهبت لأمي أحكي لها عن الفتى الجميل، طوال فترة عملي كنت أردد دائماً أنه شاب مذهل من كل النواحي، مجتهد في عمله، فنان، شاعر وقاص، كما أنه مهذب وصامت معظم الوقت، صمتاً جميلاً غير ممل.

«عن تلك اللحظة حين تدرك أن صمتك وبرودة روحك صارا أكثر لزوجة مما كنت تظن -وأكثر مما يحتمل أصدقاؤك!- ولم أعد أحتمل أن ألقي عليك كل هذا الحمل يا مارشيميللو!

عن تلك اللحظة حين تدرك أن الكلام عن مللك وتوهتك، خذلانك.. التوقعات، الأحلام والكآبة وجدوى الحياة والطموح والحرية والسعادة واليقين والهدوء النفسي.. ما هي إلا غطاء وانعكاسات لوهم واحد وحقيقة واحدة!
أنا خائف يا مارشيميللو!
خائف حد الموت..
والأمن ما هو إلا وهم مزعوم!"

في أيام الجرد، أصعب أيام العام، كان على الجميع من أكبر مدير لأصغر عامل أن يقوم بأعمال تتطلب مجهوداً بدنيًّا كبيراً إلى حد ما، كان عارف يرفض تماماً أن يتركني أنحني لأجلب أغراضاً من الأرفف الأرضية، أو أتسلق سلماً أو كرسيًّا للوصول لأرفف أعلى، فقط يترك لي ما تطاله يدي.
عارف أول من عرفني على ما يسمى بالـ «تابلت»، رأيته ذات مرة يرسم على لوح إلكتروني، فأخبرني أنه جهاز خاص بالتصميم والرسم، وأسهب في الحديث عنه وعرض علي تجربته، لكني تخوفت أن يخربه جهلي.

عند خروج عارف من السجن، سيحتاج إلى عامين أول أكثر ليتعرف على الـ i watch والتلفزيون الـ smart، وكل الأجهزة التي سينتجها العالم ونتعامل معها بطبيعية وهو حبيس الجدران الرمادية..

اثنتان من صديقاته المقربات وقعن في حبه، وتمنتا أن يكون شريك العمر ورجل الأحلام، لكن عارف اعتاد أن يبتعد عن كل من يتقرب منه ويتعلق به بهذا الشكل، وقتها كان الأمر مبهماً بالنسبه لي، خاصة أني أراهم متناغمين لدرجة كبيرة، وقتها كنت لا أعرف لماذا لا يريد عارف أن يشارك إحداهن عمره..

فراق دام 3 أشهر بيني وبينه دون سبب واضح، كنت أنتظر مكالمته كل يوم، لكنه لم يفعل، ففعلت أنا، عاتبته بحده وسألته عن السبب؟ أخبرته وأنا في القاع تماماً، أن الأمر وصل بي للتساؤل "طب إنت سمعت عني حاجة بطاله مثلاً؟" فضحك وأخبرني أنه لا يعرف بالضبط ما سبب الخصام، لكنه اعتقد أني لا أرغب بوجوده بحياتي وحكى لي موقفين أو أكثر فسرهم هو، الفتى الحساس، بأن معرفته تشكل عبئاً عليّ بشكل أو بآخر..

أخبرته أنه صديقي الجميل، وأن كل ذلك ما هو إلا محض أوهام، فأجاب: «أنا أقل من أن أكون صديقك.. أنا مش صديق حد، أنا ماستاهلش أكون صديق حد» تجاهلت تماماً ما يقول، وتكهنت أنه يمر بظروف نفسية صعبة، لكن بداخلي كنت أرد أن لا أحد غيره يصلح أن يكون صديقاً، لا صديق أجمل من عارف..

سأله أحد الكتاب الكبار، كما يطلق عليه، ذات مرة مداعباً "وياترى عارف إيه بقى؟" فأجاب بمنتهى التلقائية: «عارف إني مش عارف»، ابتسم الكاتب الكبير من ذكاء الإجابة، وابتسمت أنا لأني أعرف أنه يعني تماماً ما يقول، هذا ما يراه عارف عن نفسه، ويردده دائماً.

"نحن أكثر هشاشة وضعفاً مما نتخيل.. يمكن لأي شخص في أي لحظة أن يغير حياتك ويقلبها رأساً على عقب!
يمكن لأي شخص أن يسلبك أشياءك -أيًّا كانت قيمتها- بمنتهى السهولة والهدوء.. ولن يبالي العالم!
يمكن لأي فكرة أن تسلبك هدوء عقلك وسكون قلبك!
يمكن لأي واقع مُر أن يدمر أحلامك الثمينة في لحظة!
يمكن لأي وهم أن يقنعك أنه صادق.. ويمكن لأي زيف أن يصدقك الحديث."


***

يقفز فجأة طفل جميل أمامنا فيقول عارف بجدية مُريبة: «أنا بكرَه الأطفال دي، أنا بكرههم جدًّا»، تجحظ عيناي من فرط الدهشة: «بتكرههم؟ إزاي يعني؟»
"آه، كائنات رخمة جدًّا وبتكشفنا قدام نفسنا، كائنات بريئة بتعرفنا قد إيه إحنا وحشين».
كانت دهشتي في محلها تماماً، فأنا أعرف أن عارف يعشق كل ما هو صغير، حتى أنه ذات مرة أخبر صديقتنا أنه يتخيل مذاق أصابع الأطفال الرقيقة: «أكيد طعمها فانيليا»..
عارف كان يُعلِّم الأطفال الرسم، لكنه توقف عن ذلك منذ أودع السجن بتهم ارتكاب جرائم القتل العمد، والشروع في القتل العمد، والتجمهر بغرض تعطيل تنفيذ القوانين واللوائح، ومحاولة اقتحام ميدان التحرير، والتعدي على المواطنين به، والتأثير على سلطات الدولة، والاعتداء على الأشخاص، وإتلاف الممتلكات العامة ومقاومة السلطات.


"يمكن للوقت أن يسرق ما تخبئ من ذكريات.. ويحولها إلى أوجاع!
يمكن للروح أن تتخدش، فتتبدل أفكارك ومخاوفك قبل أن تدرك!
يمكن أن تتلاشى كل الاحتمالات قبل أن توجد!
ولا ضمانات هنالك يا أحمق!
والعالم لا يبالي!".

---
*ملحوظة من الكاتبة: الكلمات بالخط المائل بقلم عبد الرحمن عارف

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.