المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء خيري  Headshot

الشهية العامة في مصر وطلة على المستقبل (الجزء الأول)

تم النشر: تم التحديث:

في زمان ليس ببعيد قيل "من راقب الأنظمة مات همًا" وقد قتل قائلها في منفاه بعدها بقليل. بالطبع، من يراقب الأنظمة يموت همًا، أو بالرصاص لا فرق يذكر؛ ولكن في زماننا هذا يضاف إلى القاعدة السابقة ألمًا جديدًا مفاده "من راقب الأوطان مات كمدًا"!

أما بعد، فيطل علينا من مصر طفلٌ يتيم، قتل والده تصفيةً خارج إطار القانون من قبل أجهزة أمنية رسمية تابعة للدولة لاشتباه بعض الضباط فيه قتل زميلهم، طفلٌ لم يبلغ من العمر سنيّ المراهقة بعد قتل أبيه و4 آخرون؛ يطل ليقول باكيًا: "أنا هقتل الي قتل بابا"

بشكل شبه أسبوعي، تزور المشارح والقبور جثث الذين تسميهم الدولة"الإرهابيين" المدنين يلقون حتفهم في السجن تحت وطأة المرض أو الاختناق، أو برصاص قوات الأمن الرسمية، أو تحت التعذيب أو ربما قصفًا في سيناء. كما تزورها جثث الذين يقتلوا في الاشتباك مع القوات المسلحة . أو تزورها جثامين "الإرهابيين" الخطيرون للغاية الذين عادة ما يعلقون على المشانق حتى يشعر الرأي العام - المؤيد للدولة بالطبع لأن ما دونه هو ضمن "الإرهابيين" سابقو الذكر؛ أن الدولة تؤدي بعض مما عليها من واجبات تجاههم.

ولكن هذا ليس كل شيء، بشكل أقل دورية تزور المشارح والقبور جثث مجندين لقو حتفهم في تفجيرات للكمائن أو لسيارات نقلهم بين الوحدات، أو للعودة إلى ديارهم في الإجازات، أو ضباط لقو حتفهم في اشتباك مباشر مع "عناصر إرهابية / تكفيرية" من هؤلاء الذين يحملون أسلحة خفيفة ، وجثامين ضباط يلقون حتفهم أحيانًا، فقط لأنهم يؤدون واجبهم-الذي نسيت ربما ما هو في حقيقته.

من أين بدأت دائرة القتل؟ قد يبدو من غير المجدي طرح هذا السؤال الآن، خاصة أن الإجابة من الطرفين ستأتي "كلنا عارفين" رغم أن إجاباتهما ستختلف. الحقيقة أن القتل بدأ من قبل الدولة والدولة هنا تعني "العسكر"، إدارة الجيش التي تدير الدولة، سواء عقب يوليو 2013، أو منذ يناير 2011، أو في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي أو حتى عقب ثورة / انقلاب 52-54. دائرة العنف والقتل دائمًا ما بدأت من طرف الدولة، وعلى قدر العنف والقتل كانت درجات رد الفعل تتفاوت. ورغم أنه قد يبدو من غير المجدي طرح هذا السؤال الآن، لأن كلٍ سيتمسك بروايته الخاصة للإجابة؛ إلا أنه من الواجب إجابة هذا السؤال الآن، لفهم حركة الدائرة، أنماطها والتنبوء بما هو آتٍ.

وعلى الرغم من أنه يوليو 2013 وما تلاه يبدو طبيعيًا ضمن الدائرة المفرغة للصراع على السلطة أو الحق في الحياة والوجود؛ إلا أن الطريق إلى يوليو 2013 وما تلاه له طابعه الخاص، عنفٌ مضاعف، مُلقن، مبطن، وسيصعب التحكم به إن طال الوضع عما هو عليه.

إن الشهية العامة في مصر قد تشكلت على العنف في الأعوام الثلاث الأخيرة، والشهية هنا يقصد بها الرغبة العامة التي يتم التعبير عنها باستخدام الكلام وإن لم يصاحبها فعلٌ بيّن. ولربما تبدأ ظواهر العنف الكلامية مع تصريح إحدى الفنانات خلال الـ 18 يوم الأولى للثورة حين قالت: "سيبوهم يولعوا" وتم تحريف تصريحها ليلقى "رواجًا" أكبر ليكون: "ولعوا فيهم"

ولكن الظاهرة الأكبر والأوسع انتشارًا كانت مع فوز مرسي بانتخابات 2012 حيث بدأ مصطلح "خرفان" في الظهور على السطح. و"خرفان" هو مصطلح أطلقه بعض معارضي مرسي على أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وقيل "خرفان المرشد"مقصودًا بها أن مرشد الإخوان هو من يقود جماعته وليس لهم سوى الطاعة. اللفظ المجازي الذي أطلق في ذلك الحين تعبيرًا عن وجهة نظر البعض في جماعة ليست بالصغيرة تحول مع الوقت إلى عبارة تهديد ساخرة: "العيد قرب يا خرفان".

في نقاش لي مع أحد أستاذة التاريخ والعلوم الإنسانية ناقشنا مصطلح "الخرفان" وقال لي أن هذا المصطلح مع تعميمه وشيوعه يعمل على إفقاد من يطلق عليهم صفتهم الآدمية، ففي العقل الباطن للمتلقي وللقائل يتقبل بشكل أو آخر أن يذبح من أمامه لأنه "خروف" كذلك الذي يذبح أمامه كل عيد في الشوارع منذ صغره. وبالتالي، فمع تثبيت وصف "الخرفان" على شخص وتأكيده وتكراره حتى ليصبح لفظًا متعارفًا عليه؛ أصبحت الفكرة الضمنية لإباحة قتل "الإخوان" ومن يتبعهم فكرة سائغة ومقبولة. وحتى إذا ما قوبلت الفكرة بالسلب، فيقف أحدهم معارضًا معارضة ما ضد الإخوان في فترة حكم مرسي؛ تجد من أمامه يسأله: "ايه انت طلعت خروف"، فيجيب سلبًا: "لأ" ويصبح من إجابته السلبية إيجابًا أن هناك آخرين "خرفان".

كانت تلك أبرز المحطات تليها محطة استغلال "القومية/ الوطنية العسكرية" إن جازت التسمية، والترويج لأن معارضي الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 هم "خونة" و"أعداء الوطن واستقراره". وسبب التسمية بـ "القومية العسكرية" هو ترسيخ قيمة "العسكرية المصرية / الجيش المصري" كقيمة وليس كمؤسسة عبر 60 عامًا من الحكم، وإعادة ترسيخها في العقل الجمعي مع ثورة 25 يناير وما تلاها. وبالطبع، فإن عقاب الخيانة في العقيدة العسكرية هو حصرًا "الموت". وبالتالي فإن العقل الجمعي يقبل موت "الخونة" وقتلهم طالمًا ترسخ في عقيدته أنهم خونة". أما "أعداء الوطن واستقراره" فقد قوبلت بفكرتين، أولاهما أن "الإخوان" - مرسي ومؤيديه - تابعون لتنظيم دولي، هم لا يريدون مصلحة وطنهم إن لهم مآرب أخرى؛ وعليه فالحمية الوطنية ترفضهم وتعيدهم إلى خانة "الخيانة" وتتقبل "موتهم". ثاني تلك الأفكار هو "الإرهابيين" والإرهابيون يهددون أمن واستقرار الوطن، ولكن دعك من الوطن الآن، الإرهابيون في العادة يهددونك بشكل شخصي، وإن لم يهددوك بشكل شخصي فسيصلون إليك يومًا ما و"نبقى زي سوريا والعراق" وبالطبع، المواطن المصري لا يحب أن يهدد الوطن بأن يصبح مثل "سوريا والعراق" ولا يحب أن يهدد أمنه واستقراره الشخصي؛ فلا بأس إذًا أن يموت البعض لتستقر حياة الجميع.

تأسست شهية العنف المصرية في السنوات الثلاث الأخيرة عبر محطات العنف المسكوت عنه ضد المتظاهرين وضد المواطنين في مواضع شتى، وفي وضع بدا فيه أن قبول العنف والترويج له يجعلك في وضع أأمن، فقد استمرت تلك الشهية في التطور لتصبح سمتًا عامًا عبر اللغة الإجتماعية وتطور الألفاظ في مصر مرورًا بمحطات التحول الرئيسية سابقة الذكر إلى الحالة الدائمة من تقبل العنف المفرط، والقتل تأيدًا أو خوفًا.

بالوقوف عند هذا الحد أكون قد استعرضت أساسات تطور شهية العنف في اللغة الإجتماعية المصرية، أما في الجزء الثاني من المقال فسأستعرض ما بني على ذاك الأساس وما قد ينبني عليه. كما أنظر في خطاب السلطة ومؤيديها، والخطابات المتواترة بين المعارضة والظلال التي يرميها هذا الخطاب على مستقبل مصر؛ القريب منه والبعيد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.