المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء خليفة Headshot

"عودة الوعي" والمثقف المصري

تم النشر: تم التحديث:

"كلما سمعت كلمة المثقف تحسست مسدسي"، عبارة شهيرة لجوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازية، توحي بأهمية الدور الذي يلعبه المثقف في مواجهة السلطة والوقوف دائماً وأبداً في خانة المصلحة الوطنية المجتمعية، معلياً قيم الحرية والكرامة كمشترك إنساني مقدس، فالثقافة سلوك حضاري وإيمان بقيم تصل لحد التقديس.

يمثل المثقف سلاحاً ذا حدين؛ حيث قد يستخدم هذا السلاح في الدفاع عن حقوق المواطنين وتنوير وتوعية الشعب بحقوقهم وواجباتهم للسير نحو التقدم والازدهار، وقد يستخدم هذا السلاح من أجل خداع الشعب والعمل لمصالح ذاتية عبر إقناع الشعوب بأجندات خفية تهدف إلى تدمير مصلحة الوطن والقضاء عليه.

إشكالية المثقف المصري:
* نلاحظ أن بعض المثقفين المصريين اليوم لا يحملون من الثقافة سوى اسمها؛ حيث يتكلس التراث الثقافي مشكلاً الوعي العقلي للمثقف المصري، فارتكز المثقف على أمثال ووقائع وتفسيرات من التاريخ لتكريس وشرعنة الظلم والاستبداد. وبالنظر للحقب التاريخية وتفاعل الثقافة المصرية معها، نجد أن المثقفين تخبطوا ما بين التقدمية والرجعية سياسياً من جانب واجتماعياً وفكرياً من جانب آخر.

شهدت فترة ما قبل عام 1952 سياسيين تقدميين سياسياً ورجعيين اجتماعياً وفكرياً، فيصف البعض طلعت حرب -وشاركه الكثيرون في ذلك الوقت- بالتقدمي سياسياً يطالب بالاستقلال والتحرر الوطني، والرجعي اجتماعياً في مواقفه من الأصولية والمرأة، لكن ما بعد 1952 وحتى يومنا هذا، شهدت مصر مثقفين تقدميين اجتماعياً وثقافياً وفكرياً ورجعيين سياسياً، فقد رأينا مثقفين يدعون لحرية الاعتقاد ويرفضون حرية التعبير، يؤيدون الحرية الجنسية ويعارضون الحرية السياسية.

لا يغيب عن أذهاننا المفكر نصر حامد أبو زيد في عصر مبارك، الذي أدت دراساته الكثيرة للنص الديني وتعمقه فيها ودعوته إلى تأسيس منهج جديد يقوم على العقل، بمنهج مخالف لما اعتاد عليه الكثير من المفكرين في عصره إلى تكفيره واتهامه بالإلحاد، وفوق ذلك وُضع على قائمة "المطلوب إهدار دمهم"، ظل نصر حامد أبو زيد مستحضراً مشهد اغتيال "فرج فودة" هذا المفكر الذي تتشابه أفكاره مع نصر حامد أبو زيد كثيراً، ما اضطره إلى ترك مصر والعيش بالخارج خوفاً من تكرار مشهد اغتيال الفكر. وما حدث لإسلام بحيري في عهد السيسي ليس منا ببعيد، من فرض عقوبات مقيدة للحريات حتى خرج بعفو رئاسي بعدما قضى معظم مدة الحكم.

* لا شك أن ظاهرة الحكم العسكري المستبد من سمات بلاد العالم الثالث منذ نصف القرن الماضي وحتى الآن، وكذلك حشد وسائل الإعلام لخدمة أغراض سياسية، كل ذلك أدى إلى تدهور وتجريف للحياة الثقافية الفكرية المصرية، وحينما يشرع الكاتب في موضوع يبدو مهماً وجديراً بالتفات المسؤولين أملاً في إصلاحه، ثم يجد أن الحوار من طرف واحد فقط، فهو لا يعرف لمن تحديداً سيوجه الحديث وهل من مستمع أساساً له.

فطبقاً لقانون التظاهر الذي يرى كثيرون أنه مقيد لحق التعبير عن الرأي سلمياً، منع التظاهر قانونياً وزج بالمئات من الشباب للسجون، الإضراب عن العمل ممنوع ولو كان لمطلب عادل، الاشتغال بالسياسة في الجامعة يمكن أن يعرض صاحبه للعقاب حتى لو كان طالب سياسة واقتصاد، التعليق على الأحكام القضائية ممنوع؛ لأنه ينال من هيبة القضاء، والنتيجة أن يقر المثقف بأن الأبواب أصبحت موصدة.

* بالنظر لتحولات الربيع العربي نحو الحرية والديمقراطية وانعكاساته الشديدة الأثر من تغيرات جذرية أدت لصعود الإسلاميين ديمقراطياً بانتخابات هي الأولى في تاريخ المنطقة شفافيةً ونزاهة، جن جنون النخب الأرستقراطية التي مثلت وجه الثقافة في عصر ما قبل الثورة، والتي كانت تتوهم أنها البديل للأنظمة الساقطة بحكم نخبويتها الأرستقراطية، مما دفع تلك النخب للتحالف مع الثورة المضادة لتسقط قيم الحرية والديمقراطية ذاتها قبل سقوط النظام المنتخب.

علاقة المثقف المصري بالحاكم:
العلاقة بين المثقف والسلطة الحاكمة تتسم بالمد والجزر وتتشكل حسب طبيعة شخصية ذلك المثقف وحسب الأيديولوجية والفكر اللذين يتبناهما، تنظر دوماً السلطات الحاكمة بالوطن العربي لأي مثقف يظهر على الساحة الاجتماعية والثقافية بعين من الحذر والريبة، لحين تأكد الجهات الأمنية التابعة للسلطات الحاكمة من النوايا الحقيقية لهذا المثقف ومن اتجاهه الفكري، فيتم إما السعي لاستقطابه في أروقة الحكم أو تهميشه وإبعاده عن الحياة العامة، أو غض الطرف عنه في حال أنه لم يشكل أي خطر على النظام الحاكم.

هناك تصنيفات عدة للمثقفين، منهم الموالي للسلطة، والذي يعمل على الانضمام لحزب السلطة كـ"الحزب الوطني" سابقاً وائتلاف "في حب مصر" حالياً، الذي يشكل الأغلبية في البرلمان الحالي، يضغط للتصويت على كافة قرارات الحكومة، يتسم هذا المثقف بالبراغماتية والسعي وراء المصالح الشخصية بغض النظر عن مصالح المجتمع، ومن جهته، يتعامل النظام مع هذا النوع من المثقفين بالترويج له؛ ليعمل على التأثير على المجتمع عبر الظهور الكبير على الشاشات وإتاحة مساحات كبيرة لرأيه في الجرائد له.

وعلى الجانب الآخر، المثقف المعارض، وقد يكون من أسباب المعارضة من قِبل هذا المثقف للنظام الحاكم هو عدم اقتناع المثقف بالبرنامج السياسي للسلطة أو تعارض ذلك البرنامج مع أيديولوجيته وفكره، أو يكون السبب أحياناً انتماء هذا المثقف لحزب معارض يتنافس مع الحزب الحاكم، ويتعامل النظام المصري عادة مع هذا النوع من المثقفين إما بالتجاهل التام ومحاولة تهميش هؤلاء المثقفين، أو باعتقالهم والتحقيق معهم في حال شكلت معارضة هؤلاء المثقفين خطراً كبيراً على المصلحة الكبرى للنظام الحاكم.

أما المثقف المستقل الذي لا ينتمي لأي حزب سياسي ولا يحتكم لأي خلفية أيديولوجية معينة، يتصف هذا المثقف بالحياد والموضوعية والابتعاد عن ترويج أي أجندة سياسية للأحزاب؛ حيث يهتم فقط بالتركيز على إنتاج أعمال ثقافية تهدف للتعبير عن الهموم اليومية للمواطن العادي أو تعبر عن مستوى اجتماعي معين، وهو يراقب التغيرات السياسية والمجتمعية داخل وطنه بعين من الحذر الشديد حتى لا ينزلق في أتون الصراعات الداخلية، يلعب عادة دور المراقب عن بُعد، عادة السلطة إذا لم تجد خطراً يشكله هذا المثقف تتجنبه.

بينما يتسم المثقف التنويري المصلح بامتلاكه أفكاراً تنويرية؛ حيث يتبنى منهجية التفكير خارج الصندوق وهو دائم البحث عن الحلول، ويحاول أن يقترح بدائل لأي أزمة يعاني منها المجتمع، بهدف إحداث إصلاح حقيقي وتغيير للممارسات السلبية من قِبل النظام الحاكم.

توفيق الحكيم هو خير مثال على المثقف التنويري الذي نأى بنفسه عن جميع الأحزاب والتوجهات السياسية، حاول أن يرصد التفاعلات المجتمعية ويطرح رؤاه من خلال إبداعاته الفكرية والأدبية، يعترف الكاتب الكبير بخطئه الذي لا يبرر، على حد قوله في كتابه الشهير "عودة الوعي"، عن تأييده المطلق لفترة حكم جمال عبد الناصر خلال الخمسينات والستينات، الذي دافع عنه باستماتة بالغة، وتعامل بعواطفه بالرغم من وصوله للستين من عمره في ذلك الوقت، اعتقد في يوم 5 يونيو/حزيران 1967 أن الانسحاب مناورة وتكتيك عسكري كي يحاصر الجيش المصري القوات الإسرائيلية ويقضي عليها، حتى خرج عبد الناصر معلناً النكسة على الملأ.

حينها فقط أدرك توفيق الحكيم أنه بالرغم من كهولته وعمره الذي انقضى بين آلاف الكتب والمناصب الرفيعة في محراب الثقافة الذي تبوَّأها، كان غائب الوعي كغيره الكثير من المثقفين في تلك الأيام.

إذا كنا نتحدث عن عصر نما النظام فيه وثبت أركانه على وقع نغمة واحدة معادة ومكررة ويعتبر غيرها نشازاً، فإن القرن الواحد والعشرين هو عصر ينبغي للمثقف المصري أن ينتفض خارج الجوقة المألوفة، وأن يستمع لصوت الحق والضمير، الذي ترنّ نغمته دائماً مهما حاول الجميع كتمانه، لقد حان وقت عودة الوعي للمثقف المصري.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.