المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء حاتم الشربـاتي Headshot

هل لديك طقوس خاصة أثناء القراءة؟

تم النشر: تم التحديث:

اعتدنا أن نرى في مجموعات القراء على صفحات التواصل الاجتماعي صوراً احترافية لكتاب مفتوح مظللة بعض سطوره وبجانبه فنجان من القهوة لإعلان احتفالية البدء في قراءة كتاب... وتصل أحياناً هذه الصور لدرجة من التفصيلية في محاولة إدخال كل الجماليات الموجودة في المنزل كخلفية "تلقائية" لذلك الكتاب!

وتنقسم ردود الأفعال بين مؤيد لهذا النوع من الربط بين الكتاب وعادة خاصة كفنجان قهوة أو مجموعة من الزهور، وبين ساخر أو ناقد للتكلف في خلق أجواء لمهارة آن الأوان أن تكون روتيناً يومياً.

هل هناك رابط خاص بين قراءة كتاب وعمل آخر مصاحب له؟ هل لا يستطيع المرء القراءة بدونها أم هي إحدى الصور النمطية المنتشرة والتي يكرر المرء نشرها وتقليدها دون وعي منه؟ وهل تقف العادات الغريبة فقط عند القهوة أو شكل الجلسة أم سجل التاريخ ما هو أغرب.. كسلوكيات قام بها كُتاب ومشاهير أثناء إنجازاتهم الفكرية؟

صدر في السنوات الأخيرة الكثير من الكتب التي ترصد عادات الكُتاب أثناء كتابتهم وقراءاتهم.. ككتاب "طقوس الكتابة عند الروائيين"، وكتاب "كيف نكتب"، و"مذكرات قارئ"، و"فن القراءة"، وستجد ذات التباين في آرائهم حول هذه الطقوس.. بين متساهل ومتمسك.. تقول الروائية الأمريكية سوزان أورلين: "لست بحاجة الى مكان هادئ ومثالي لأكتب، ولا أحتاج الى المبالغة في الظروف الخاصة، ولكني أحتاج لأن تكون المواد التي أعمل عليها في متناول يدي، وأحتاج إلى الإحساس بأنني لن تتم مقاطعتي لوقت طويل".

ويقول الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله إنه لا يحفل بالمكان أو بأجواء الهدوء، وقد نشأ في بيئة مليئة بالأخوة والأخوات جعلت مسألة العادة المصاحبة أمراً مستحيلاً.

لكن لا يجتمع كل القارئين والكُتاب بهذه الصفة، إذ لن تجد صورة واحدة للروائية التركية إليف شافاق صاحبة الرواية "قواعد العشق الأربعون" وهي تقرأ إلا وبجانبها كوب من الشاي، ويذكر كارل ماركس صاحب كتاب "رأس المال" أن ثمن السيجار الذي أنفقه أثناء كتابته فاق ثمن بيع الكتاب. وهي إحدى أشكال التوازن يلجأ اليها الكاتب بشكل أوسع من القارئ لتخفيف شدة التوتر وعمق التفكير بصورة حركة جسدية روتينية، أو إعلان لوقت مستقطع من الحياة أخذ شكل الاستراحة المعهود في الشرب أو التدخين، أو ربما كانت مجرد مزامنة بين عملين محببين يسهل اجتماعهما.

وهناك من أخذته طقوسه إلى أكثر من ذلك.. فبدأ ينشد زماناً خاصاً للبدء في العمل، فلا تبدأ الروائية الإسبانية الأكثر قراءة إيزابيل الليندي كتابة رواياتها إلا ابتداءً من الثامن من يناير/كانون الثاني من كل عام، وتقول: "هل يمكنك تخيل السابع من يناير؟ إنه لا يطاق"، وأخرى تنشد مكاناً خاصاً للعمل كالروائية الأمريكية سارة غرون مؤلفة رواية "ماء للفيلة"، حيث كانت تجلس أثناء كتابتها في خزانة الملابس حتى تختبئ من ابنها الصغير وكانت تعلق كل ما يتعلق بالسيرك حولها في الخزانة لتعيش ظروف المكان الذي تكتب عنه، واستمرت كذلك أربع شهور! وتقول واصفة نفسها: "عملية الكتابة عندي طقسية لدرجة تثير الحرج".

وقد تأتي الغرابة ليس في العمل المصاحب فحسب، وإنما بتكرار نوبات من التمسّك الشديد في القراءة بأوقات لا يجدر به القراءة فيها، فقد أخذت حمى القراءة القارئ الشهير الأحمري مرة أثناء قيادة السيارة وهو ذاهب لإعطاء محاضرة في إحدى الجامعات. وذكر في كتابه عن روجيه غارودي أنه قرأ كتاباً عن هيجل أثناء مشاركته في عمله وهو يرأس البرلمان الفرنسي؛ لأنه كان يعد في تلك الأيام كتاباً عنه ولم يستطع التوقف.

وهناك من تحوّلت جلسات القراءة والتفكير عنده لحالة يسميها صاحبها د. عبدالوهاب المسيري "الحمام الفكري" يحاول فيه بعد اكتفائه من القراءة أن يتمكن تحت الدش الساخن جمع الأفكار وإنشاء العلاقات بينها ليخرج من حمامه بمعادلة فكرية تساعده لإكمال كتابته.. وحمام آخر سمّاه "الحمام الطقوسي" يقوم به بعد الانتهاء من كل مؤلف من مؤلفاته.

ويشاركه الروائي الأمريكي مايكل لويس الغرابة في أسلوب التعامل مع التأليف والكتابة، إذ يبدأ بالدخول مع كل كتاب يكتبه في حالة هياج ذهني شديد يصاحبه اضطراب في النوم والمبالغة في التمارين الرياضية، والثرثرة بصوت عالٍ أثناء الكتابة تدفعه أحياناً للبس سماعات أذن للتوقف عن سماع صوته.

إن وصل من وصل من قارئين وكتّاب لكل هذه الغرابة في العادات وأنتجوا ما أنتجوا من أدبيات وعلوم، فهل يبدو اقتران الكتاب بفنجان قهوة أو وردة فواحة تكلفاً؟ دعوا العادات تربو إن كانت تزيد من قوة الإنتاج أو تضفي جواً من المتعة ولا تعارضوها لمجرد أنكم لستم كذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.