المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء شحاتة  Headshot

تقولين لي حدثيني عن السفر

تم النشر: تم التحديث:

السفر يا صديقتي له أشكال عدة، تختلف باختلاف رغبتنا فيه، فالسفر ليس الانتقال من مكان لآخر فقط، يا صديقة العمر، لكنه سفر وأنتِ في المكان، سفر عبر الوجوه والحكايات.. سفر وأنتِ في مكانك بالخيال والفكر والفكرة.

سافرت كثيراً يا صديقتي وتعلمين أمراً، لم يرهقني سفر مثلما أرهقني السفر في وجوه وقلوب من حولي، جربي أن تنظري في وجه أحدهم في مواصلة ما، أو عند بائع الخبز، أو في وجه مسافر عابر يجر من ورائه حقيبة سفر.

جربي أن تسافري وأنتِ جالسة مكانك مستمتعة برشفة من فنجان قهوتك الصباحي في وجه صغيرك المشاغب، أو كف صغيرتك الدقيق الرقيق.. ذلك السفر المخفي وراء الملامح متعب بقدر إمتاعه.. متعب للغاية سبر أغوار الوجوه حولك، تلك التي تحمل فيض مشاعرها في قسماتها، فذاك سعيد وآخر مهموم.

ستدركين أنكِ تختلقين الحكايات في كل وجه يقابلك، والحكاية سفر في متنها وبين دفتيها، لا تدركين متى بدأ ومتى ينتهي.

أكتب لكِ الآن وقد قررت بعد المكوث في المنزل خمسة أيام دون أن أرى الشارع إلا عبر نافذتي أن أتجول في الشوارع الممتلئة بالوجوه التركية التي تحمل الفضول والجمال في قسماتها وتحاوطني من كل جانب.

هل أخبرتكِ يوماً عن بائع الخبز أسفل المنزل؟
ذلك العجوز التركي الطيب الذي ما إن يراني حتى يتهلل وجهه المرسوم عليه بدقة علامات الزمن، وهو يبتسم لي دائماً ويحاول جاهداً السفر إلى عبر كلمات عربية اكتسبها في سنوات قليلة، محاولاً كسر الجدار بيني وبينه، يقول لي شكراً بالعربية، ويقول لي: طاب مساؤك، وأحياناً إذا كان رائق المزاج يقول لي: صباح الخير، ناطقاً الحاء هاء، فهنا لا حاء ولا خاء في التركية.

أكتب إليكِ الآن وأنا أتطلع على فنجان قهوتي الذي يفتقد صحبتك دائماً ووجهك، وأتخيلك أمامي الآن، أسافر مع أول رشفة منه إليكِ وأراكِ وأنتِ تحدثينني باهتمام عن صغيرك المشاغب الجميل، وتقصين عليّ يومك كيف كان، وأرى قسمات وجهك الممتلئة حباً للوافدة الجديدة التي تكبر ولا أراها إلا عبر الصور.

تحكين لي عن يوم طويل ومرهق في العمل وما أغضبك، أرى وجهك وأنتِ تحكين لي كيف خذلك المقربون وكيف عوضكِ الله بقلب أحب واقترب واحتوى قلبك.

تقصين على طموحك ونظرتك الرائقة للمستقبل وكيف تتمنين أن تكوني أُماً حنون قريبة لصغيريكِ الحبيبين.

الآن سادني الصمت حين ذكرت صمتك هنيهة وأنتِ تحدثينني بجدية عني، وتخبرينني أن أحبّي نفسك فأنتِ تستحقين.. هل أستحق حقاً يا صديقتي؟

والآن أبتسم تماماً كما كنت سأفعل إذا كنت أمامك الآن وسمعتكِ تقولين لي هذا.. وأنتِ تردين على سؤالي بحماستك الدائمة حين تحدثينني عني.

أرأيتِ.. أنا أجلس هنا الآن في إسطنبول الجميلة وسافرت إليكِ دون أن أتحرك من مكاني، بيد أن قلبي وفكري هناك في وسط القاهرة؛ حيث كان يحلو لنا اللقاء دائماً.

سافرت إليكِ في الحكايات المنسوجة بيننا دون حاجة إلى تذكرة سفر، فقط في رغوة قهوتي المحببة إلينا رأيتك.

يقولون إن السفر قطعة من العذاب.. وأراه الجنة ذاتها، فمشقة السفر تُنسى بالراحة، ولا يبقى من طول المسير إلا المتعة المنتظرة والمغامرة المجنونة ووجوه العابرين على صفحات الروح المحلقة بين السماء والأرض، تاركين بصماتهم التي لا تمحى على القلب.

أحب السفر أحبه لأنه حياة أخرى.. والعمر أجمل من أن يعاش مرة واحدة، فلماذا لا نعيشه مرات متعددة بالسفر ولو كنا قيد المكان؟

جرّبي السفر عبر وجوه أحبابك، وأخبريني حينها ماذا وجدتِ يا صديقتي؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.