المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء شحاتة  Headshot

الصورة الناقصة

تم النشر: تم التحديث:

"عالبال مريتم صور وانتم بعد عالبال.. بغيابكم غاب القمر سافر ليالي طوال"

بين ذكريات الأمس وحقيقة اليوم أجلس أدندن بها متصفحة صور هاتفي النقّال، أتطلع إلى صور الأصحاب الذين افترقوا في بلاد الله بين هنا وهناك، من إسطنبول إلى القاهرة، ومنها إلى مدن أخرى اتسعت للمقام فيها وسع السماء، صور تحدثني الوجوه فيها عن لحظات استرقناها من بين أيامنا، تحمل بين جوانبها نكهة السعادة المنقوصة بالنقص الذي أصاب كل الصور بعد أن فرقتنا السياسة مرة، والغربة مرة، والموت مرات عديدة.

منذ الصغر تعلَّمت حب التصوير والتقاط تلك اللحظات في صور مطبوعة أحتفظ بها إلى الآن في ألبومات مقسمة، كل واحد منها يحمل ذكرى أيام خلت كنا نجتمع فيها معاً العائلة أو الأصحاب بمناسبات عدة وأحداث لا تنسى، بهجة حقيقية تشع منها ومن وجوه أصحابها، تتطلع إلى تلك الأيام عبرها فتذكر ما جرى فتضحك من ذكراها أو تدمع شوقاً لمن غاب عنها!

سنوات أربع فقط مضت، وتبدَّل الحال في جميع صورنا الملتقطة، فاليوم تبدو الصورة باهتة ابتسامتها رغم كل الجهد المبذول فيها لكي تبدو جميلة بجمال وجوه أصحابها، لكن ذلك الوجه الناقص دائماً أجبر القلب على رسم تلك الابتسامة الحزينة على الثغور، بعد أن غلبتنا المسافات والظروف دون أن نجتمع معاً منذ تلك السنوات الأربع العجاف بصورة واحدة تحمل معها ذكرى لقاء جديد يجمعنا معاً دون ورقة مدون عليها اسم من غاب عنها مجبراً أو مخيراً!

"يا ريت ما يطول السفر واللي هجرنا يعود.. ويعود نورس هالبحر عشراعنا المشدود" هل كان يعلم حين غناها من غناها أنه يطلب المستحيل؟ أشرد بنظري لأذكر متى غاب عن صورتنا الجماعية الوجه الأول، فطلَّ وجهها الجميل من بين الوجوه، تلك كانت صديقتي صغيرة السن كبيرة العقل والقلب والمقام، وقد غابت بعد أن أجبرتها ظروف الوطن إلى الهرب بعيداً مع زوجها وطفلها، نجاة بنفسها وأسرتها الصغيرة من التهديدات التي وصلتها بالاعتقال أو الانتقام مما لم تفعله! آثرت الرحيل حفاظاً على حياتهم، بحثاً عن الأمان الذي انتزع من الحياة فيما يطلق عليه مجازاً.. وطن! ليكون النقص الأول في الصورة المكتملة ملامح وجهها الرقيق الجميل.

أقلب الصورة، لتظهر وجوه أحبة لم يعلموا أنها الصورة الأخيرة التي ستجمعهم بأكثر البنات قرباً للقلوب وأصغرهم عمراً، وقد أبكتني ملامح وجهها البريئة وأنا يجول بخاطري ذلك السؤال الحائر دائماً: بأي ذنب قتلت!

صديقتنا الصغيرة ابنة القلب، التي جاءتها رصاصة غدر من قناص لم يرحم سنوات عمرها الـ17 ليغتالها انتقاماً أو غلاً، ليواري الثرى براءة وجهها الجميل، فتختفي ملامحها من الصورة التالية! لأمسح خفية تلك الدمعة التي تسللت على وجهي حين قفزت أمام عيني صورة رفيقة الدرب التي رحلت بعد أن أصابها خطأ طبي أثناء جراحة عاجلة لم يتقِ الله فيها طبيبها، لترحل من دون وداع، ودون أن يرفّ له جفن أو يخاف من المساءلة في وطن يأكله الفساد من كل جانب.

لتنقص الصورة من جديد من وجه طيب جميل مفتقد، للصديقة الطيبة الموجودة في كل مواقف الحياة إلى جوارك، وقد غادرت البلاد وهي لم تكمل العشرين من عمرها وحيدة دون أهلها، تاركةً كل شيء خلفها، الصحب والدراسة، والأهل، والوطن، لتتزوج بعيدة في غربتها المفروضة عليها بعد أن لُفقت لها قضية لا ناقة لها فيها ولا جمل، وباتت تحت الطلب لأمن الوطن المسلوب قسراً!

"شوفوا وطنا ما أجمله ما فارقه عصفور.. وصغارنا غنوا إله بحارتن والدور"

أوجعني قلبي حين وصلت إلى هذا المقطع من الأغنية، وأنا أصل إلى صورة أخيرة كانت آخر صورة كاملة العدد، وأنا أرد في سري على الأغنية، بل فارقه الكثير من الطيور على غير رغبة منها أو إرادة، الحدود والسياسة والرصاص، تلك أضلاع المثلث الذي أفقدنا اكتمال الصورة منذ زمن، فإذا ما كتب الله لك لقاء جمع منهم في إحدى المدن خارج حدود الوطن، نقص كل وجه بداخله من الصورة الملتقطة، فإذا عدت إليه واجتمعت بالحاضرين، افتقدت الصورة كل الغائبين خارج حدوده المرسومة بدقة، لتصنع حائلاً دون إكمال النقص فيها، وكأنه كُتب علينا ألا نجتمع في صورة واحدة ومكان واحد بعد اليوم.

ورغم كل شيء ما زلنا نحرص أن نجتمع، وحين نفعل يزيد الحرص والحماسة على اتخاذ وضعية التصوير لتضحك الثغور للعدسة وتجاهد العين، لتخفي خلف ضحكتها عاصفة حزن وافتقاد كل وجه غاب عنها، والقلب ما زال عالقاً في السؤال دون الجواب.. تُرى يا الله، متى تعود الصورة لاكتمالها من جديد!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.