المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسماء جلبي Headshot

حصينة بالثقة

تم النشر: تم التحديث:

لا شك أن كل أب وكل أم قلقان حيال مستقبل أولادهما، منذ اللحظة الأولى لولادة هذا الطفل والأبوان قلقان حول ما سيكون عليه مستقبله، ينظران إلى مصاعب الحياة حولهما، إلى التيارات المضلة الجارفة من كل اتجاه، ثم لا يتخيلان كيف سيواجهها هذا الصغير، فيركزان كل التفكير في حمايته، في تربيته تربية تحميه مما هو قادم ومخيف.
إن أغلب الآباء والأمهات يقلقون فلا بأس!

".. وبالطبع فالقلق المعتدل أمر محمود في حياة كل أم، فهو الذي يدفعها أن تجعل طفلها نصب عينها لتتابع كل تطور فيه؛ لتكتشف مبكراً ما بطفلها من تغيرات تحتاج للتدخل سواء كانت بدنية أو سلوكية.." (1)

وفقاً لبعض المقالات التربوية تنقسم ردات الفعل المتطرفة من هذا الخوف إلى قسمين ( ردة فعل تصبح منهج تربية): قسمٌ يبالغ في حماية أطفاله، فيحيطهم حرفياً من كل الاتجاهات، ويعزلهم بشكل مبالغ فيه عن كل المخاطر أو ما يحتمل أن تكون مخاطر!

وقسم يرفع يده من تلك المسؤولية معتقداً أن الحياة ستربيهم، وأن الإنسان يتعلم من تجاربه فلا بأس أن يخوض الأطفال هذه التجارب، بلا حماية ولا سابق توعية!

فينتج عن القسم الأول نفسيات مهزومة ومهزوزة، تخشى المواجهة ولا قدرة لها عليها، اتكالية مائة بالمائة على الأبوين، ومتى ما تعرضوا لتجارب فاشلة سيبدأون بلوم الأبوين لوماً لا ينتهي!

".. ويعتبر مطر الحماية الزائدة للأولاد خطأ ينعكس سلباً عليهم فيحرمهم من تعلم أساليب التكيف مع الحياة أو مواجهة مصائب الدنيا.." (2)

وينتج عن القسم الثاني أشخاص عانوا الأمرّين في كل مرحلة من مراحل حياتهم، عانوا كل ما يتصور من آثار سلبية جسدياً ونفسياً وصحياً وعاطفياً، وكانوا فريسة لكل ما هو خطر ومؤذٍ ومحبط، ينشأ عنها شخصيات ناقمة على المجتمع، وتكره الحديث عن الماضي، وربما متشائمة أيضاً!

(الآثار أكثر من أن تحصر في المقال والحالات الناتجة مختلفة أيضاً حسب كثير من المقالات التربوية والطبية).

تتعدد الآراء التربوية حول أفضل ما يمكن أن تحصن به الطفل؛ ليصبح فردا مستقلاً مبدعاً قادراً على مواجهة المجتمع، ولكنني في هذا المقال أعتمد رأياً شخصياً في أفضل ما يمكن إعطاؤه للطفل وتحصينه به، وهو الثقة.

إنك حين تحصن الطفل بالثقة، فإنك تحميه ضد كل المحبطات التي قد يواجهها في حياته، إنك تحصنه ضد ما يسمى بالعجز المكتسب.

العجز المكتسب هو قناعة الإنسان بعدم قدرته على التغيير، إثر محاولات متكررة فاشلة، أو عبارات سلبية متكررة محبطة، أو ظروف محيطة مقيّدة، فيعزو الفشل إلى أسباب داخلية (كأنا فاشل، أنا غير قادر، هذا الأمر مستحيل في مجتمعنا.. إلخ )، بدلاً من أن يعزوها إلى أسباب خارجية (كـ: يبدو أنني لم أحاول بما فيه الكفاية هذه المرة، هذا المدير يتعامل بطريقة سلبية، ربما لم أستنفد كل الحيل.. إلخ)، والطفل يكتسب هذا العجز من عدة عوامل، أهمها التربية العائلية، التي إن صحت كان لها الدور في حمايته من باقي العوامل.

الثقة تأتي من فهم الذات جيداً، ومعرفة نقاط الضعف ونقاط القوة والعمل عليهما، من خلال معالجة الأولى وتعزيز الثانية، وتأتي أيضاً بزيادة المهارات المكتسبة وتوسيع الآفاق والمدارك، فيصبح لديك طفل - شاب مستقبلاً - قادرٌ على:

1- تحليل الوقائع السلبية في حياته، وتحديد أسباب الفشل، وتوقع أسباب النجاح في التجربة القادمة.

2- صد السهام السلبية الموجهة إليه، متدرعاً بمعرفة نفسه -بنقاط ضعفها وقوتها - وبفهم حقيقة وجود المحبطين دون التأثر بهم.

3 - فهم أن الفشل درجة في سلم النجاح، وأن الحياة تجارب ومحاولات حين تنشئ طفلاً مسلماً متميزاً، متمسكاً بمبادئه وقيمه، فإنك بحاجة أولاً وأخيراً إلى بناء ثقته في نفسه؛ حتى يتقبل أن يكون مختلفاً متميزاً متفرداً، بل ويحب ذلك!

إن معظم شبابنا يرغب في فعل ما يفعله الآخرون، سلوكاً واعتقاداً، يحذو حذو القطيع اعتقاداً منه أن الخروج عن المألوف شذوذ، أو رجعية أو تخلف، أو أي مسمى آخر كما يسميه المجتمع. لكننا حين نربي فرداً مميزاً فنحن بحاجة إلى أن يكون واثقاً من نفسه ثقة كافية تجعله يحب أن يكون مختلفاً ما دام محقاً، غير متأثر بما سيقوله المجتمع عنه، أو بما سيشير إليه.

سيأكل الأكل الصحي ولو عاش في مجتمع يغرق بالمضرات، سيلبس اللباس الشرعي وإن كان كل من حوله لا يحبذه، سيمتنع عن الغش ولو غش كل فصله..

سيثبت على مبادئه؛ لأنه واثق من نفسه ولا يبني تلك الثقة من نظرة الناس إليه، بل بما يقتنع أنه الصواب.. لربما يحيد الابن عن مبادئه، فالتمسك بالمبادئ لها عدة عوامل أخرى غير الثقة بالنفس ولكن الثقة أهمها.

وربما يحيد لعدم اقتناعه ثم يعود حين تتصحح مفاهيمه وتزيد خبرته، المهم أن الأساس سليم، أعطِ ابنك الحنان والحب الكافيين، حب وحزم، سلمه زمام بعض الأمور، اسمح له باتخاذ القرارات، حيّ إنجازه دائماً وبالحجم المناسب، لا للدلال ونعم للحب، لا للحماية الزائدة ونعم للتوعية والمساندة، استمع كثيراً، ناقش كثيراً، احرص على توسيع مداركه وتنمية مهاراته، ساعده على تحسين نقاط ضعفه، ودعه يتحمل مسؤولية أخطائه، أحِطه بالعبارات الإيجابية والأشخاص الإيجابيين، علّمه كيف يقاوم السلبية والسلبيين.. وكن أنت دائماً جمهوره العريض وملاذه الآمن.

ختاماً، أن تثق بابنك وتعطيه الثقة بنفسه أمر مهم، ولكن لا إفراط ولا تفريط، لا نريد جبابرة وطغاة، نريد أفراداً تقيم القسط على نفسها أولاً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سلوى المغربي - 1433.
(2) د. طلعت مطر، استشاري علم النفس التربوي بمستشفى رأس الخيمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.