المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء عبد الستار مطاوع Headshot

ما كان الله ليفعل ذلك

تم النشر: تم التحديث:

تزداد الدوائر من حولنا إغلاقاً، وتتقاذفنا الأحداث يُمنة ويُسرة.. الخوف من الغد والقلق من المستقبل، أصبح سمة حياتنا، نحتاج بشدة إلى سند ودعم لكي نستطيع الاستمرار ومقاومة الأزمات، ونتساءل: كيف قاوم أسلافنا ما مروا به من صعاب؟

وإذا قمنا بجولة صغيرة في التاريخ نجد أن خليل الله إبراهيم أُلقي في النار، فقال بلسان اليقين: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكانت برداً وسلاماً عليه.

وترك -عليه السلام- السيدة هاجر وولده إسماعيل بواد غير ذي زرع، ورغم ذلك دعا بيقين أن يرزقهما الله من الثمرات، وقالت زوجته هاجر بنفس اليقين حين تركها وأخبرها أن ذلك أمر الله: والله إن الله لن يضيعنا أبداً.

وكليم الله موسى حين أدركه فرعون وجنوده، وكان البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، قال بيقين: (كلّا إن معي ربي سيهدين).

ويعقوب -عليه السلام- فقَدَ يوسف ولم ييأس ودعا بلسان اليقين، وقال: "عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً".

والحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- سيرته مليئة باليقين بربه والثقة بوعده، فحين كان في الغار وأحاطت به والصّدّيق الأخطار، قال لصاحبه: "لا تحزن إن الله معنا"، وبشارته للصحابة ووعده لهم بيقين في ربه بفتح الشام وفارس واليمن أثناء الخندق برغم ضعفهم.

ولنا في الصحابة أُسوة حسنة:
فلما أراد سعد بن أبي وقاص أن يعبر دجلة، وقطع الفرس عليه الجسر، وحازوا السفن، اقتحم سعد الماء بأقدام الثقة، وخاض الجيش معه وعبروا النهر فما غرق منهم أحد ولا ذهب لهم متاع وعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

ما كانت هذه القلوب؟ وما كانت قوتها؟

إنها الثقة بالله، تلك الثقة التي تولدت من يقين راسخ برب العزة تبارك وتعالى، وإيمان صادق بقضائه وقدره وصدق وعده.

وما أحوجنا اليوم وبشدة إلى ذلك، فنحن نحتاج إلى ما يشعرنا بالراحة المطلقة، ويطمئننا لما تمر به حياتنا من أحداث، فلا قلق من الغد والمستقبل، نحتاج أن نشعر بأن الله يرعانا ويدبر لنا الأمر، وييسر لنا الرزق ويدفع عنا المكروه، نحتاج لما يملأنا محبة لله وخوفاً منه ورضا به وشكراً له وتوكلاً عليه وإنابة إليه، إننا نحتاج إلى "اليقين".

كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (.. ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا)، وخطب الصّّدّيق في الناس فقال: يا أيها الناس، إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيراً من اليقين والمعافاة فسلوهما الله عز وجل".

وجمع لنا المولى صفات أهل اليقين؛ فقال تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هُدى من ربهم وأولئك هم المفلحون).

وعلى طريق الفلاح ولكي نصل إلى اليقين أُذكر نفسي وإياكم بـ:
- الصلاة الصلاة بخشوع وخضوع وتذلل.
- الدعاء بلسان الموقن الواثق بالإجابة، الأذكار اليومية.. الله الله في أذكارك بوعي وحضور ذهن، وجرب ألا تفتر عن ذكر الله في كل حالاتك.
- وِردك من القرآن، قراءةً وتدبراً وحفظاً.
- التسليم والرضا بأقدار الله، رضينا بما رضيت لنا ربّنا.

وقبل الختام.. أهديكم هذه القصة وأدعوكم أن تتدبروا معي هذا الذكر العظيم المُريح للبال، بتأمّل وتدبّر.

جاء رجل إلى أبي الدرداء -رضي الله عنه- فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتك، قال: ما احترق، قد علمت أن الله -عز وجل- لم يكن ليفعل ذلك، لكلمات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَن قالهن أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالهن آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح:
(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم).

لو تأملنا هذا الذكر نجده انتقل بنا من الاعتراف بالألوهية المطلقة لله، إلى التسليم المطلق لمشيئته وحوله وقوته، وإحاطة علمه بكل شيء، إلى الاستعانة به للحماية والحفظ.

أدعوك أيها القارئ إلى أن تحفظه وتضيفه إلى وردك اليومى، وأن تقُله بثقة ويقين في حفظ الله لك.
افعل ذلك؛ لتصل إلى اليقين القلبي الذي يجعلك تقول مع كل أمر تخشاه: "ماكان الله ليفعل ذلك".

ضعف بعض أهل العلم حديث أبي الدرداء، ولكن قال الكثيرون إنه ذكر طيب وعظيم يعمل به الإنسان رجاء أن ينفعه الله به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.