المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء عطيف Headshot

العبودية المختارة

تم النشر: تم التحديث:

الفيسبوك هنا، الفيسبوك هناك، وماذا بعد أن نستيقظ من نومنا على نغمة جوالنا الأندرويد؟ نرتدي ملابسنا، ثم نتجه نحو ساعتنا التي تعمل بنظام أندرويد؛ لنرتديها فيظهر لنا تنبيه كما يُظهر لنا تطبيق خرائط جوجل أن أمامنا 30 دقيقة؛ لنصل إلى مقر عملنا، وبعدها نكتشف أن لدينا وقتاً كافياً للوصول إلى موعدنا، فنقوم بتشغيل جهاز التلفاز الذي يعمل بنظام جوجل تي في، نتابع الحلقة الجديدة من مسلسلنا المفضل، هذا كله، ونحن على الإنترنت، وفي أثناء مشاهدتنا تمتد يدنا إلى "اللابتوب" نفتح الفيسبوك، ومن ثم جوجل، ثم نبحت عن كيفية إعداد أفضل فطور يساعدنا على مواجهة يوم طويل، ونحصل على الوصفة الملائمة، نعد وجبتنا، ونحن نتابع مطالعة مسلسله المفضل، نستمتع بما صنعت يدانا، ونستعد للخروج.

استمد عصرنا الحاضر لقبه "عصر التقنية والتكنولوجيا"، انطلاقاً من غزو التكنولوجيا جميع مناحي الحياة، وعلى كل الأصعدة؛ إذ لم يقتصر على التواصل فحسب، بل امتد ليصبح إحدى وسائل التعليم الأساسية، والعمل، وأكثر بكثير مما كان عليه بالسابق، فيذكر أن انتشاره كان محدود النطاق، إلا أن دائرته بدأت تتسع حتى ضمت جميع مناحي الحياة الإنسانية.

روتين بئيس غير مغرٍ يلزمنا أن نتمشى على حساب آلات لا قيمة لها، هذا السيناريو هو أقرب ما يكون للحقيقة من أي وقت مضى، بل قد يتطور لأبعد من ذلك، فلا حدود للخيال ولا للخدمات مع التكنولوجيا، ويستمر مسلسل هذه الأخيرة في توفير بدائل ومنتجات تحيط بالإنسان من جميع جوانب حياته؛ حيث أصبح الإنسان في كل زمان ومكان هو محور هذه التكنولوجيا.

ففي عصرنا الحالي يرتبط مفهوم التكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً بالتقدم التقني والإلكتروني الذي شهده العالم، وأصبح يعتمد في إنجاز الصناعات والفنون التي يعبر عنها مصطلح التكنولوجيا على وجود أجهزة إلكترونية متطوّرة أنتجت منا عقولاً مبرمجة لا بديل لها سوى بعض الآلات التي تتحكم في نمط عيشنا، وتتدخل في تفاصيل أيامنا مهما كانت بسيطة.

ولا شكَّ أنَّ للتكنولوجيا وجهاً مُظلماً، كما أن لها وجهاً مُشرقاً استفاد منهُ الكثير من الناس، لكن ماذا بعد؟ ماذا عن حياة الناس التي أصبحت متاحة للعامة؟ ماذا عن خصوصياتنا؟ ماذا عن أسرارنا؟ أصبحنا نتفاخر بمشترياتنا عبر مواقع التواصل عبر الإنستغرام وسناب شات؟

فهل من القادم أن تتكاثر العوالم الافتراضية حولنا وبيننا؟ وهل هو نتيجة طبيعية لعصر ما بعد الحداثة الذي اتسم بالاضطراب الاجتماعي والفوضى الشاملة مقارنة مع العصور التي سبقته؟.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الذات التي صارت في هذا العصر حُرة ومبعثرة وفصامية أوجدت نطاقاتٍ أخرى فوق واقعية لتمارس شكلاً من أشكال الفصام المركب؟ وهل صدق رولان بارت حين قال: "إن النظام بات عدواً للإنسان بعد أن كان سبيل تقدمه وسعادته"؟، فكانت النتيجة عوالم تخل كلّ نظام أخلاقي أو قانوني فأشهر الألعاب في العالم هي تلك التي تُحفز العنف وتضجُّ بألفاظٍ مثل: " دمر - اسحق - اطعن.. إلخ".

فإلى أي مدى يمكن أن تبعدنا العوالم الافتراضية عن حياتنا الطبيعية بكل ما تحتويه تلك العوالم من مُدهشات وفنون تُسمع وتُرى وتتضافر فيما بينها لتمنح ذواتنا الافتراضية أبعاداً فوق بشرية يغشاها مجدٌ أثيلٌ لا يناله إلا القليل من الناس في الحياة الواقعية؟

وهل ستستطيع تلك العوالم الخاضعة بجلِّ ما فيها لنا - ككائنات تتميز بالإرادة - انتزاعنا لساعاتٍ وساعات من عالمنا الحقيقي الذي تسير الأمور فيه بشكلٍ رتيبٍ وبإيقاعٍ بطيء نسبة إلى تلك العوالم المدهشة؟ وإلى أي مدى سيؤثر ذلك على واجباتنا تجاه ذاتنا وتجاه الأسرة والمجتمع؟

أسئلة كثيرة بانتظار الإجابات في عصر التكنولوجيا "أُمّ المفاجآت".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.