المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسمى العطاونة  Headshot

ثورةُ الأبكم في جنْح الليل

تم النشر: تم التحديث:

للثورات معان كبيرة لم أفهمها أبداً. كنت أعتقد فقط بأن الثورة هي ردة فعل تنشأ طلباً للحرية، وهي الدفاع عن أي إنسان وفي أي مكان لكي يتمكن من ممارسة حقه في الإيمان أو عدم الإيمان بما يشاء. واعتقدت أيضاً بأن الثورة هي كلمة كبيرة تعطى لكبار الشخصيات كتشي جيفارا، نيلسون مانديلا، روزا باركس، غسان كنفاني، ناجي العلي أو آخرين كثر لن تكفي السطور القليلة هذه لتعدادهم.

اعتقدت بأن للثورة ثمناً باهظاً وهو السجن، التعذيب، الموت والاغتيال. لم أكن أعلم بأن هناك من الثوريين مَن يموتون في صمت وفي جنح الظلام. كامرأة قتلها زوجها حين ألقى عليها بطنجرة طبخ. أو كطفل حُرش به جنسياً وسلبت طفولته فصار يثور في صمت. كبرت وازدادت خبرتي ووعيي في الحياة، صرت أستمع لقصص البسطاء بعيداً عن قصص الثوار الكبار. لم أتحمل يوماً الأضواء ولا من يلهثون وراء النجومية والمحطات والشهرة والكراسي المخملية الكبيرة.

استغربت كثيراً حين ازداد وعيي بأن البسطاء قد يكونون أيضا أكثر شجاعة من تشي جيفارا ومن مارتن لوثر كينج ولكنهم يثورون بصمت، ويثورون في جنح الليل ومن دون عدسات كاميرا مكبرة ومن دون أصوات.

فكرت بأمي وبمصيرها وببؤسها وتخيلتها من الثوار الصامتين أيضاً. ثائرة تتكبد الويلات بصمت وتثور من خلال إصرارها على تعليمنا. هي الفقيرة والأمية والتي قضت كامل حياتها في خدمة أطفالها وتربيتهم. أمي الأرملة ذات الأيدي الخشنة من غسل الصحون وتحضير الطعام لأبنائها الاثني عشر. هي تلك القديسة التي تتحمل الفقر والجوع بصمت. كنا كأي عائلة فقيرة وبسيطة لا تمتلك في الحياة سوى الكرامة كقوت يومي تثور بصمت للحفاظ على بقائها.

صرت أفكر في جارتنا السودانية وفي أولادها السبعة، وكنت أراها ترحل إلى العمل من الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة التاسعة لتطعم أطفالها طعم الشقاء. هي أيضاً كانت تثور في صمت وفي جنح الليل.

انتقلت من بلد لآخر، سافرت بحثاً عن بلاد ثار فقراؤها وأصبحوا أسياداً. وصلت إلى فرنسا بعد عناء طويل ورأيت بأن الثورة مرت من هنا منذ سنين عدة. كنت في البداية فرحة للغاية وكمستشرقة صرت أكتشف كل ما هو جديد و«إكزوتيك» في الثقافة الفرنسية. ابتلعت ثقافتهم وتمرست لغتهم ونظرات عيونهم وإيماءاتهم.

صرت أقرأ الصحف يومياً، أتابع الأخبار، وأستمع إلى جانيت وماري كلير جارتي العجوزتين اللتين تزودانني بآخر الأخبار. في فرنسا كي تعلم ما ستؤول إليه البلاد عليك بالعجزة. فالمسنات سيخبرنك من سيقوم بالانتخاب فتعرف مسبقاً برئيس الدولة القادم.

فكرت فعلاً بأن الثورة الفرنسية لا تزال في شبابها وبأن الفرنسيين هم روادها، يلقنون «العالم الثالث» دروسا في الحريات.
وصلت إلى هنا بعد معاناة طويلة في الحصول على اللجوء. كنت أحلم بأن النوم على الرصيف في فرنسا هو الهناء والجنة التي ستبعدني عن نار البلاد العربية. كنت أحلم بفولتير وفكتور هوغو وفوكو وألبير كامو. حلمت بهم أحياء يرزقون وحلمت بجان جوريس وقيمه ومبادئه وبإنسانيته. حلمت بهم جميعهم هناك يستعدون لاستقبالي على الحدود. كل هذه الأحلام تلاشت فلم يكن أحد منهم هناك ولم أشعر بوجودهم حتى في عالمي وواقعي في شوارع فرنسا المظلمة، وأرصفتها الباردة.

اصطدمت بالواقع وبخاصة حين اضطررت إلى الوقوف لساعات طويلة أمام مبنى «البريفكتور» لانتظار دوري لختم ورقة تثبت وجودي «الشرعي» على أرض فرنسا.

صرت أشتم روائح العنصرية الأولى ولم يعد «بؤساء» هوغو أمامي. وأصبحت أرى وجوهاً لثوريين جدد، لا يعلم بهم أحد¡ ثوريين لاجئين يثورون في صمت، نلقي بهم في البحر ونغرق سفنهم الصغيرة ونعيدهم إلى حيث كانوا للقاء الموت.

ابتدأت أولى اكتشافاتي في «البريفكتور» وهو مكان الأوراق الثبوتية لابد من التوجه إليه في بداية المشوار لطلب اللجوء.

صرت أنظر إلي الطابور من أمامي وأتفحص وجوه اللاجئين. كلنا ذوو أصحاب بشرة بنية وسوداء ويوجد فيما بيننا غجر بأسنان ذهبية.

صرت أتفحص وجه المرأة الموظفة هناك، ذات الأربعين عاماً تستقبل الطلبات بعد ارتدائها لقفازات بيضاء بلاستيكية. استغربت من الأمر واعتقدت بأننا نحن المهاجرين وطالبي اللجوء مريضون سننقل العدوى لها.

خطر في بالي وزراء خارجية، وسفراء فرنسيون كانوا يذهبون إلى بلادنا وإلى مستعمراتهم القديمة، ليبحثوا فيها عن أجساد شابة ونضرة ليزجوا بها في الصفوف الأولى عند الحرب، للدفاع عن فرنسا. كانوا يبحثون أيضا عن عمال يقومون بتشييد وبناء فرنسا من جديد بعد دمار الحرب وخسارتها البشرية وقلة الأيدي العاملة.

فكرت بالآلاف من جثث الجزائريين تطفو على نهر السين في باريس. هم الذين لم تعترف بقتلهم الدولة لما يزيد عن الخمسين عاماً.

وفكرت في آخرين سلبوا ثقافتهم وحقهم في الوجود ولا نزال لا نعلم عن حقيقة موتهم شيئاً.

فكرت في آلاف المهاجرين الإيطاليين والبرتغاليين والإسبان وبخيمهم التي نصبوها على شواطئ فرنسا الجنوبية بعد رحلة طويلة وشاقة هرباً من فرانكو وموسوليني وبحثاً عن الأمان والحرية والعمل. فكرت في ثقل حقائبهم وفي أملهم في بناء مستقبل جيد لأبنائهم.

أعادني صراخ موظفة أخرى إلى الطابور في «البريفكتور». كانت تصرخ في وجه رجل عربي مسن، وتخبره بلكنتها الحادة بأنها ملته لكونها لا تفهم فرنسيته الضعيفة.

سارعت فتاة من الواقفين في الطابور للترجمة ولمساعدته.

لم تحترم الموظفة خصوصية الرجل ولا سنه ولا حتى حقيقة كونه من الذين حاربوا من أجل الدفاع عن بلادها، وكانوا في الصفوف الأولى لتلقي الرصاص. لم تعلم الآنسة بأنها مدينة لهذا الرجل برفاهيتها التي تستمتع بها الآن.

وبدد صراخ الموظفة حلمي «الإكزوتيكي» الآخر بأن الفرنسيات ناعمات ورقيقات يتحدثن بلغة شهية وجذابة. ختمت لي الورقة بعد حالة الذعر التي كنت أعيشها في أن تفضح أمري وتصرخ بقصتي أمام العالم.

عدت إلى غرفتي بعد يومي المشحون هذا، وفكرت في الأمر. فكرت في أن الحياة في فرنسا تنقسم إلى جزأين. جزء ما قبل الحصول على الأوراق الثبوتية وهو الجزء الذي تعامل فيه أنت كلاجئ، كشبح أو كـ «زومبي» مخيف لا يراك الناس. والجزء الثاني هو لحظة حصولك على ما يسمونه «الأوراق» وهي الحق في الإقامة والحق في أن تصبح مرئياً لا شبحاً.

لهذه الأجزاء تفاصيل دقيقة لا يمكن تجاهلها. هي تفاصيل قد تسلط الضوء على مشاكل حالية وتساعد القارئ العربي على فهم ما يجري، أو تساعد آخر على التفكير ملياً قبل المجيء إلى هنا. فرنسا ليست الجنة الموعودة، وخاصة لأصحاب البشرة السمراء المتهمين وبشكل دائم بأعمال الشغب وبالإرهاب.