المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرقت ياسين Headshot

عالم لا ينتفض

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن يوماً عادياً حين عُدتُ من مدرستي الابتدائية، ووجدت بيتنا حزيناً، أبي وأمي يبدو عليهما التأثر الشديد، حاولت أنا وأخي فهم السبب، فأخبرنا أبي باغتيال الشيخ أحمد ياسين، قتله العدو الصهيوني، لم أستوعب حيث كنت طفلة لم يتجاوز عمري 8 سنوات.. طلبت منه التوضيح فحكى لي عن بلاد لنا تجاورنا احتلها الصهاينة منذ عدة سنوات يقتلون فيها الرجال والنساء، والشيوخ وحتى الأطفال، ويحرمونهم من أبسط حقوق الحياة، تأثرت كثيراً حينها وشعرت بتقصيري تجاههم، أصبحت أتذكرهم وأدعو لهم دوماً، اعتقاداً مني أن تلك البلاد هي الوحيدة التي يقع عليها هذا الظلم والاحتلال.

مرت عدة أيام، وأنا أنتظر هجوم جيش عربي ضخم لتخليص بلادنا هذه من الاحتلال، فالدول العربية إخوة ومستعدون لمساندة بعضهم والدفاع عن المستضعفين منهم.. في الحقيقة لم يخبرني أبي بذلك بل أقنعت نفسي به، وصارت قناعة لدي لا تحتمل الشك، فقد كنت أستمع كثيراً لهم يغنون دائماً عن الحلم العربي، ويلقي شعراؤهم القصائد في حب فلسطين والقدس، فهي أولى القبلتين، كما يقولون، ومؤكد أنهم لن يسمحوا بالتفريط بها مطلقاً، ظللت أتابع أخبارها باهتمام بالغ، وآلمني مقتل الطفل "محمد الدرة"، وظل المشهد يراودني كل حين، لكني واسيت نفسي أن هذا المشهد لن يتكرر، فالعرب لن يسمحوا بمثل هذه البشاعة مجدداً، وتحمست كثيراً لحملات مقاطعة منتجات الشركات التي تدعم الاحتلال، اعتقاداً مني أن هذا يدمرهم بالتأكيد!..

ظننت يومها أن العالم كله مشتعل، ويحاول الدفاع عن فلسطين، وأن بلاد العرب خاصة تشعر بالألم تجاه أهلهم الذين يمثلون قطعة في جسد وطنهم العربي، فكل من كنت أعرفهم في دائرتي الصغيرة كانوا يؤكدون ظني، إلى أن كبرت وليتني لم أفعل.

عندما كبرت.. أدركت.

أدركت أنه لا وجود لجيش عربي لتحرير فلسطين، وأن العرب لا يتذكرونها إلا قليلاً، أو في مناسبات ذكرى الاحتلال وما يشبهها، بل وقابلت من يدّعي كذباً أن أهل فلسطين باعوا أراضيهم طوعاً للمحتل، واكتشفت أن فلسطين ليست الدولة المستضعفة الوحيدة بيننا نحن العرب، وأن المحتل الصهيوني ليس الطاغية الوحيد، فقد ابتلى الله العرب بحكامهم، بالتطرف.. وبالحروب الأهلية أيضاً، فلدينا مستضعفون في كل بلادنا العربية، ففلسطين ما زالت محتلة، ولبنان ممزق، والعراق ينقسم، وسوريا تعاني منذ 5 سنوات إلى أن أحرق النظام مدينة كاملة، وهدمها على أهلها، ولم يتغير في العالم شيء.

وفهمت أن التضامن يخضع لحسابات كثيرة كالسياسة والدين والقوة والجنسية وأشياء أخرى، وأسوأ ما في الأمر أن "محمد الدرة" لم يكن آخر الضحايا من الأطفال، فأصبح المشهد يتكرر مع اختلاف بسيط في اسم الطفل وموقعه من عالمنا العربي، ومنذ عامين أفجعنا طفل سوري ذو 3 سنوات حين قال قبل أن يموت متأثراً بجراحه:
"سأخبر الله بكل شيء"...

أدركت أن أبي علمني درساً لم ولن أنساه ما حييت، وأن هناك قليلين في العالم يشعرون ويتألمون لما يصيب الإنسان، وتعذبهم تلك الإنسانية، إلى هؤلاء تحديداً عانينا نحن خلال سنوات حياتنا بخمول الوطن الذي ننتمي إليه وركوده حكاماً وشعوباً، لكن عزاءنا أن هذا العالم ليس خالداً، وأن الله سيرفع البلاء عن بلادنا، وسينعم أهل القدس بتحرير بلادهم قبل نهاية هذا العالم، فهذا وعد الله، ليس ذلك فحسب، بل إنه سيرد حقوق المظلومين ويجعلهم يقتصون ممن ظلموهم، وكما قالت "ريحانة جباري"، الفتاة الإيرانية التي تم إعدامها ظلماً، في رسالتها الأخيرة لوالدتها قبل تنفيذ حكم الإعدام بها:
"عزيزتي شعلة ذات القلب الطيب، في الآخرة سنوجِّه نحن الاتهام، وسيكونون هم مُتهمين، دعينا ننتظر إرادة الله".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.