المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف صالح محمد Headshot

النظرة اللاهوتية للتاريخ

تم النشر: تم التحديث:

التاريخ هو مجمل الخبرة الإنسانية في الحضارة والثقافة والمدنية، و"الحضارة" سياسةً وأخلاقاً وتشريعاً هي القوة التنظيمية في التاريخ، و"الثقافة" علماً وأدباً وفناً هي قوة التاريخ الإبداعية، و"المدنية" زراعة وصناعة وعمارة هي القوة المادية السلعية في التاريخ.

الواقع أنَّ ولع الإنسان بمعرفة ما حدث في الماضي قد ارتبط بالتطلع لا إلى ما حدث فحسب، وإنما لماذا حدث وكيف؟ ففكرة التاريخ عند أية جماعة إنسانية ليست في حقيقة أمرها النقدية سوى شكل من أشكال فهم هذه الجماعة لهويتها الذاتية، كما أن تطور المعرفة التاريخية قد ظل متصلاً بتطوّر المعرفة البشرية عامةً والمعرفة العلمية خاصةً، وحينما كانت العلوم مدمجة بالسحر والأسطورة، كان تفسير التاريخ يدور في فلك الأساطير والآداب واللاهوت، ومن ثَم فإن المرحلة الأولى لنشوء الفهم التأمّلي للتاريخ كانت هي المرحلة الأسطورية.

وقد ارتبطت المرحلة التالية لها وهي التفسير اللاهوتي للتاريخ بازدهار الديانات، وهو نمط من أنماط التفكير الواعي يدافع عن المعتقدات الدينية بتوسط العقل انطلاقاً من ترسيمات الدين بعدها ترسيمات بديهية. فقد أدخل اليونانيون في كتاباتهم وسردهم للتاريخ الإلهيات في الأفعال الإنسانية على نحو لافت للنظر، كما أن المؤرخين الرومان قدموا التاريخ بأسلوب خطابي تطغى عليه تأثيرات وزيادات من إبداعهم، وذلك لإضافة صفحات من المجد للأبطال.

ومع انتصار المسيحية على الوثنية ظهر مفهوم لاهوتي صرف وخالص للتاريخ، وبدأ يتراكم قرناً بعد قرن.

وخلاصة النظرة اللاهوتية للتاريخ عند أبرز ممثليها القديس أوغسطين تقوم على النظرة الخطية للتاريخ من آدم إلى يوم الدينونة، وأن العناية الإلهية هي التي تسير التاريخ إلى غايتها المنشودة، وهذه الصورة للتاريخ والإنسان ترى أن جميع الأعمال مقدرة سلفاً في الذات الإلهية، فالوحي المسيحي قد أعطانا فكرة عن تاريخ العالم كله منذ بدء الخليقة في الماضي إلى نهايته المقدرة في المستقبل.

وفي قراءة سريعة للتاريخ من القرن الخامس وحتى القرن الثامن عشر الميلادي، نجد أن علم اللاهوت يسيطر على الروح الإنسانية ويديرها، فكل الآراء مأخوذة من اللاهوتيات، والمسائل الفلسفية، والسياسية، والتاريخية نُظر إليها من وجهة نظر لاهوتية، فالروح اللاهوتية هي الدم الذي جرى في شرايين العالم الأوروبي حتى عصر فرانسيس بيكون (1561 - 1626) ورينيه ديكارت (1596 - 1650).

وتوضح المؤلفات التاريخية المكتوبة خلال هذه الفترة الطويلة إلى أية درجة استطاعت التأثيرات الدينية السيطرة على الفكر الإنساني، ففي فرنسا مثلاً، كان الملك لويس السادس (1108 - 1137) يعتقد كثيراً بحماية القديسين، وكان مقتنعاً بأنهم يتدخلون من غير توقف في الأفعال الإنسانية، وهم فقط يستطيعون تأمين الانتصارات في الحروب والانتصارات الدبلوماسية.

الواقع أنَّ المفاهيم اللاهوتية للتاريخ لم تبدأ بالاختفاء إلا في اليوم الذي بدأت فيه العلوم تتقدم، وتؤكد أن جميع الظواهر في الكون خاضعة لقوانين صارمة، ولكن مع عملية الابتعاد عن المفاهيم الروائية واللاهوتية للتاريخ كان من الواجب اكتشاف مفاهيم أخرى من أجل شرح مجرى الأحداث التاريخية، وبذلك ظهر التفسير الفلسفي للتاريخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.