المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف مطر Headshot

لهذه الأسباب سيظل الانقلاب قائماً وقوياً!

تم النشر: تم التحديث:

ليس الانقلاب الحادث في مصر هو ذلك المعلَن في الثالث من يوليو/تموز 2013م، ولا أظن مقاومته ستنجح إذا ما قُصرت الجهود على إزالة الأثر العسكري الذي فرض نفسه علانية آنذاك بعد أن كان موجوداً خلف الكواليس ووراء ستار.

ويصعب التكهن بمآلات الأحداث قياساً بتاريخ وجغرافيا هذا البلد، لذلك عند تشخيص الحالة لا بد من النظر في التاريخ الوراثي لها من خلال استعراض بعض الأزمات التي تعرضت وتتعرض لها الدولة المصرية، للوقوف على سيناريو تخيلي لإمكانية مقاومة هذا الانقلاب.

أولاً: أزمة مسخ الهوية (لا ضياعها)

ويعود بنا الحديث فيها إلى آثار الحملة الفرنسية وحملات التغريب، وما واكب عصر النهضة المصرية بتولي محمد علي باشا حكم مصر، ومروراً بما حدث للمصريين بعد انتهاء الخلافة بعد ضعفها وتغير النمط الحياتي لهم، والتماهي مع الحضارة الغربية باعتبارها الوجه الجميل للإنسانية، وما عداها رجعية وتخلف وانحطاط.

وهذا ما كرسته التجارب الأدبية والفنية في مصر خلال المائة سنة الأخيرة، على يد عمالقة الأدب والفن الذين سُمح لهم بتصدر الساحة عقوداً، تبني قيماً وتهدم أخرى، ولعل مراجعتها أمر ميسور لمن أراد وضع يده على العلل التي أصابت المجتمع نتيجة هذا التوجيه للتخريب المتعمد لمسخ الهوية المصرية - على الرغم من وجود بعض الأعمال التي ألقت الضوء على إبداعات البيئة المصرية وتفرّدها وريادتها آنذاك - حتى لم يعد المصريون يستطيعون التعرف على هويتهم الجامعة إلا بالكاد أوقات الحروب أو في المناسبات الرسمية من خلال الأغاني الوطنية، التي أيضاً وُجدت لتحابي طيفاً واحداً وتكرّس صورة ذهنية ما في وعي المستمع والمشاهد نحو عبادة القويّ والسير في ركابه.

ثانياً: التفكك الأسري

لا شك في أن غياب الروابط الأسرية يعد من أشد الأزمات خطورة على أي أمة، وقد تعرضت مصر لموجة انحلال أسري متعمدة وغير مسبوقة، صار معها من الطبيعي أن تصبح الدولة منقسمة اجتماعياً بما يسهل غزوها فكرياً أو ثقافياً تحت مسمى الحرية الفكرية وادعاء صراع الأجيال.

يغذي ذلك ثورة إلكترونية هائلة جعلت لكل فرد من أفراد الأسرة عالمه الخاص الذي يكاد يُغنيه عن هذه النواة الصلبة التي كانت في بلدان أخرى، كتركيا مثلاً، عاملاً مهماً جداً في الحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها. لهذا، سيظل الانقلاب حاكماً كمنظومة حتى وإن اختفت بعض وجوهه من الساحة؛ لأن المصريين ما زالوا مهيئين لذلك.

ثالثاً: الانقسام المجتمعي

وهي أزمة جديدة قاتلة، لم تمر بها مصر عبر تاريخها بهذه القسوة والضراوة التي نالت كل بيت فيها، ومزقت أواصر، ودفعت البعض للاقتتال والمخاصمة والمشاحنة حتى كاد نسيج الوطن يتمزق. مصر، التي كانت قبلة الغريب والتي اشتهرت بـ"ادخلوها آمنين"، لم يعد المصريون يأمنون فيها غدر بعضهم لبعض، لذلك لا يلام المنقلِب بقدر ما يلام مَن ترك هذه الحالة تستشري في جسد الوطن وهو لاهٍ في صراعات سياسية أو في مناظرات فكرية، لم تراعِ أولويات المعالجة للجسد الذي تأكله الأمراض.

رابعاً: المعارضة المفعول بها

من عجبٍ أن يكون الداء والدواء معلومينْ ومع ذلك يظل المرض كما هو على الرغم من سلامة التشخيص، إلا أنه في الحالة المصرية، التي تعد نموذجاً للفشل التام في وضع رؤية استراتيجية للحل على الرغم من مرور 3 أعوام على الانقلاب العسكري فيها، ما زالت المعارضة الوهمية لم تراوح مربع صفر، وكلما حاولت الانتقال إلى المربع التالي رجعت القهقرى بجواذب الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، ما يؤدي بالتبعية إلى انتصار الطرف الآخر وتثبيت أقدامه أو على أقل تقدير إطالة أمد وجوده لتحقيق ما جاء من أجله.

هنا، نرى نوعاً من المعارضة المستأنسة التي تنتظر الفعل لتكون رد فعل، ويصبح وجودها عدمياً سواء كان سياسياً أو إعلامياً، ما يؤدي إلى اضمحلال دورها وغياب أثرها، سواء على مستوى الداخل أو الخارج.

والحل؟

الحل، هو تصحيح المسار؛ بالصدق مع الذات، والعمل على هذه الملفات وغيرها بالتوازي دون إغفال أي منها، وأن تكون الثورة ثورة شاملة واعية تعرف الداء والدواء، وتعرف أن لكل مرض آثاراً جانبية يجب تحمّلها إذا كان الهدف هو إنقاذ هذا الوطن، وليس فقط تسكين جراحه وعلّاته.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.