المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف مطر Headshot

مشاهد مروعة

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يحدث؟ وإلى متى هذه الغيبوبة التي يعيشها العقل العربي عامة والعقل المصري خاصة؟ وكأن وسائل تواصل لم تُخترع، وكأن وسائلَ إعلام لا تنقل على مدار الساعة ما يدور في أروقة اللوبيات الكبرى، ولا في ردهات الغرف المُغلقة، وكأن الآذان أصابها صمم، والعقول لم تعد تدري ما وظيفتها.

كان من الممكن أن نرى عذراً في زمن الهيمنة الكبرى للدول العظمى على وسائل الإعلام وعلى دوائر صنع القرار للغافلين أو المغفلين، بسبب قصور المعرفة وغياب المعلومة وصعوبة استشراف المخططات الشيطانية لهذه الأمة.

أما وقد تغير العالم، وصارت الدنيا قرية صغيرة، وأصبح الحصول على المعلومات أيسر من إخفائها، وبما نراه الآن من حديث صريح عن وجوب إيجاد شرق أوسط جديد لا مكان فيه للديمقراطية، ودعم صريح لديكتاتوريات تقمع شعوبها بالحديد والنار وبالكيماوي وبالاعتقالات، وبالإخفاء القسري، متحدية بذلك كل الأعراف والمواثيق الدولية..

وعندما يرى الرائي هذه المشاهد المأساوية ويقارنها بمشاهدَ أقل بشاعة وأخف ضرراً لكنها تحدث في بلاد الفرنجة، فتُجَيش لها الجيوش وتقوم من أجلها حروب ونزاعات، يحق له أن يتساءل عن العدالة الغائبة وعن الحقوق المهدرة لمثل هذه الشعوب التي غُلبت على أمرها، هل تستحق ما هي فيه من عناء ومكابدة واحتقار من هذا المجتمع الدولي؟
ما الذي أوصلها لهذا الدرك من الانحطاط؟ ما الذي أغرى بها الآخر فرآها لقمة سائغة يستطيع بلعها متى شاء؟

لعل المشهد الأكثر إيلاما هو مشهد الإعلام العربي، وبالأخص ما يسمى الإعلام المناهض للانقلاب العسكري في مصر، مشهد يوحي بالعبثية والضياع، ويعطي دلالة واضحة على الخيبة وعدم الفهم وعدم الاحترافية ولا المصداقية -بأحسن تقدير- وإلا فإنه يوحي بما هو أقسى، من تبعية وسير في الطريق المرسوم له لإطالة أمد التشرذم والتفكك، وتثبيت دعائم النظام، بل والاستفادة من هذه الغربة الإجبارية، سواء على المستوى المادي أو المستوى الوظيفي.

وليس من الممكن أن نتصور أنه بعد مرور كل هذه السنوات العجاف من عمر الأزمة ما زال الإعلام يدور في فلك السخرية والتعليق على الأخبار والغمز واللمز، وكأنه يستقي مادته من القنوات المصرية ويصير رافداً لها ليرضي جمهوراً مكلوماً أصبح يرى في هذه النوافذ الإعلامية متنفساً لا غير، كل البرامج على اختلاف من يقوم بها تقدم نفس المادة ونفس الموضوعات، ولذات الجمهور.
أما عن التوعية والتحفيز والإدراك والسير في طريق مرسوم فلا يوجد.

من رأى المشاهد العبثية في اجتماعات قمة الدول العشرين في الصين، واستظهار الدول عظمتها وسيطرتها على هذا الكوكب، وما عداها خدم تابعون، والرسالة القوية التي أظهرتها التحالفات بين الأقوياء وإن كانوا على خلافٍ سياسي، كفيلة بأن تجعل من يريدون خيراً لهذه البلاد أن يفكروا مراراً وتكراراً فيما هو قادم.

وليتأكد الجميع من أن ما سبق لن يكون أبداً كالآتي، وأن التحدي صار واضحاً لا يحتاج إلى مواربة أو لغة دبلوماسية (اللعب على المكشوف) وأصبحت المعادلة ماذا يمكن أن تقدم أكثر حتى تظل في مكانك، ربما ظهر هذا المشهد جلياً فيما يسمى باجتماعات الأمم المتحدة، ومن لم يشعر بضآلة هذه الأمة وضعفها وهوانها على الناس، وتأخرها عن اللحاق بركب الحضارة بعدما كانت رائدتها، فيجب عليه أن يعيد حساباته مرة أخرى.

مشهد لقاء المرشحَيْنِ للرئاسة الأميركية بالرئيس المصري، مشهد له دلالات عميقة وظاهرة -لا تحتاج إلى توصيف- إلا أنه مر مرور الكرام على النُخب المتناحرة والمتكلسة خلف بياناتها الجوفاء، وإداناتها العبثية الهزيلة.

مشاهد آثار الدمار والخراب التي رسمتها يد العدوان الدولي على الأراضي السورية، قبل أن تتدخل تركيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الأبرياء التي تُزهق منذ ما يزيد عن خمس سنوات، واختلاف وجهات النظر العربية عما كانت عليه سابقاً، ينبئ بما يدور خلف الستار من ترتيبات لهذه المنطقة.

لكن يبدو أن هذه المشاهد جميعها وغيرها من المشاهد تعمل عليها آلة إعلامية جبارة تضع رتوشاً هنا وظلالاً هناك، بما يجعل المسرحية ممتعة للمشاهد الغربي، بينما ينشغل الجمهور العربي في التسلية والتسرية في الأوقات المستقطعة للاستراحة بين المشاهد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.