المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف حمد Headshot

العدل يبدأ من التفاصيل

تم النشر: تم التحديث:

كانت السماء كعادتها في هذه الفترة من السنة تمطر بغزارة، وكان طابور الركاب في انتظار الحافلة يستطيل، إلى أن ظهرت فجأة ثلاث حافلات عند تقاطع الطرق القريب من موقفنا، وبينما بدأ بعض المصطفين في التقاط أكياس المشتريات عن الأرض؛ أخرجت أنا النقود "الفراطة" لأدفع لشراء التذكرة.
سار الأمر كعادته في كل يوم، وسرعان ما ابتلعت مقاعد الحافلة أجزاء كبيرة من ذلك الطابور..

في تلك الأثناء ارتفع صوت إحدى السيدات الجالسات في مقدمة الحافلة صارخة في وجه سائق الحافلة "لا يمكن لك أن تفعل هذا" ثم أضافت "لو كانت هذه الحافلة ملكية خاصة لك، فبإمكانك إذن أن تطلب من أحدهم شراء تذكرة بينما تدع آخر يصعد بدون تذكرة، يجب عليك أن تعامل الجميع بالمثل.. عار عليك".

ثم سادت لحظات من الصمت قبل أن أفهم -كما فهم غيري من الركاب- ما حصل. كان السائق قد سمح لأحدهم باستقلال الحافلة دون شراء تذكرة لمعرفة شخصية بينهما، أو هكذا أوضحت تلك السيدة المسنة لمن يجاورها سبب ضجرها.

وصلت بيتي وبالي مشغول بما قد حدث للتو، حاولت استرجاع التفاصيل بنظرة نقدية فوجدت أن هذا الحدث على بساطته يحمل بين طياته -من وجهة نظري- ثلاثة مشاهد يجب التوقف عندها..

المشهد الأول: تصرف السائق طائش وغير مسؤول ويمكن أن يعرضه للمساءلة القانونية لو صُعّد الموضوع. هكذا تصرف يمكن أن نشاهده في كل المجتمعات الإنسانية، فأحياناً -وبدون نية فاسدة- نريد أن نُظهر الود والاحترام لأحدهم -لأسبابنا الخاصة- بتقديم مكافأة ما.
وعلى قدر رقيّ تلك المشاعر، فإنها قد تفسد لو كانت المكافأة تأتي على حساب ملكية عامة أو ملكية خاصة للغير.
خذ مثالا بسيطا: كم مرة سمعت عن أحدهم يستخدم أجهزة المؤسسة -ماكينة التصوير مثلاً- لأغراض شخصية بحتة، أو ذلك الموظف الذي يعبر لصديقه عن عظيم احترامه بتقديم أوراق معاملته على معاملات الآخرين، أو ذلك الموظف الذي يقضي ساعات طويلة في عمله لإجراء مكالمات هاتفية لأغراض غير ذات صلة بعمله. كل تلك الأمثلة وغيرها الكثير قد تكون في ذاتها لأهداف جيدة، ولكن اختيار المكان الخاطئ والزمان الخاطئ والموارد الخاطئة يضعها تحت طائلة المحاسبة والتأنيب.

المشهد الثاني: كان في التصرف الشجاع من تلك السيدة البريطانية المسنة التي لم يرق لها تصرف السائق وعبرت له عن اعتراضها مباشرة، هل يمكن أن ندرج فعلها ذلك تحت مظلة قول نبينا الكريم "الساكت عن الحق شيطان أخرس"؟
كم نحتاج إلى ذلك النموذج المشرف وذلك التصرف النبيل في تفاصيل كثيرة من حياتنا اليومية -سواء أكان ذلك في بريطانيا أو أي بلد آخر.
لعل بعضنا مر بمواقف شبيهة ولكنه آثر السكوت -وهذا ما فعله حقيقة أكثر من خمسين راكب وأنا منهم- لسبب أو لآخر. لكن الأكيد أن فطرة الإنسان جُبلت على حب الخير والصواب.
إذن فهي دعوة للجميع لنكون دوماً مبادرين لتصحيح المسار والمجاهرة برفضنا لأي تصرف خاطئ. هي دعوة لتطبيق حديث النبي الكريم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

أما عن المشهد الثالث: الذي أستوقفني في تحليل عناصر ذلك الحدث فهو بيئة العدل والمساواة التي يفتخر الغرب بكونها إحدى ركائز مجتمعاتهم (بينما للأسف أحياناً كثيرة يستنكرها الغرب عندما يتعلق الأمر بعالمنا العربي).
من وجهة نظري لولا وجود معاني العدل والمساواة في هذه المجتمعات لما صدحت تلك السيدة بصوتها معترضة، ولكنها تعلم -وكذلك السائق يعلم- بأنها على حق وأن القانون سينصفها لو كان رد السائق عليها غير لائق- على سبيل المثال.

هذه البيئة التي تعامل الجميع بالمثل وأنهم سواسية كأسنان المشط هي أحد الأُسس الرئيسة التي وضعها نبينا محمد للمجتمع الإسلامي الأول، فلنحاول أن نسترجع تلك التفاصيل لنحيا كراماً.

أنا أدعي بأن العدل يبدأ من التفاصيل كما هو الحال في هذا الحدث، ثم ينتشر ليشمل المجتمع بكل مكوناته.
بكلمات أخرى: العدل يبدأ من القاعدة ويتجه للقمة وليس العكس. العدل في الأسرة، العدل في الشركة والمؤسسة، العدل في المدرسة والمستشفى، العدل في الحافلة والقطار، العدل في الشارع والسوق، ثم العدل في كل الدولة.

أخيراً، في عالمنا العربي صدح عشرات الآلاف -وربما الملايين- من الرجال والنساء، الشيوخ والشباب والأطفال، بصوتهم عالياً مطالبين بالحرية والعدل والكرامة الاجتماعية، ربما دفع الكثير منهم حياته مقابل تلك القيم النبيلة مُقبلاً غير مدبر، إلّا أن الطريق صعب وطويل، ولكن النجاح سيكون حليفه في النهاية بإذن الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.