المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف الجعلي Headshot

تخبطات سياسات السودان الخارجية

تم النشر: تم التحديث:

تعتبر السياسة الخارجية لأي دولة انعكاس مباشر لاستقرارها ووضوح رؤيتها في كل الجوانب لاسيما الجانب السياسي. السياسات الخارجية للحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال اتسمت بنهج غريب ومتقلب بشكل يوحي بغياب أي استراتيجية متجانسة وطويلة المدى.

ولكن تحت إدارة نظام الإنقاذ، عانى السودان من غموض وتقلب سياسات هذا النظام في شتى المجالات والتي ظهرت جلياً في علاقات السودان الخارجية خلال ربع قرن من حكم البشير،
كان من الممكن للسودان أن يكون له ثقله الإقليمي والعالمي استناداً إلى خصوصيته كبلد متعدد الأعراق وموقعه كجسر بين الشرق الأوسط وشرق ووسط إفريقيا إن لم يكن كامل القارة. ورغم ذلك لم يستفد نظام الإنقاذ من أي مما ذكر, بل بادر بالعداء أولاً لدول الجوار، ثم اتخذ إجراءات تسببت في قطع معظم دول العالم لعلاقاتها مع السودان وجعلت البلاد تعيش في عزلة عانى منها الجميع.

ظلت السياسات السودانية الخارجية تخضع تماماً لأهواء قيادات النظام تشاور او تخطيط، وهو ما أكده وزير الخارجية السابق علي كرتي في لقاء تلفزيوني عام 2012 بأن هناك أكثر من جهة تتدخل في اتخاذ قرارات تتعلق بالعلاقات الخارجية نيابة عن وزارة الخارجية أو دون علمها.

منذ وصول الإسلاميين للسلطة عن طريق انقلاب عسكري في 1989، سعوا لإنشاء نظام مرجعي للإسلاميين، وقام السودان بفتح حدوده لكل الإسلاميين المعارضين أو المطاردين من قبل حكوماتهم، وكذلك أصبح السودان حاضناً للعديد من المقاتلين السابقين في الحرب الأفغانية. ولتأكيد ذلك التوجه قام السودان بوضع الغريمين أمريكا وروسيا في خانة واحدة كأعداء استراتيجيين لكل ما هو إسلامي، رغم أن النظام في بداياته قوبل بترحيب دولي وإن لم يكن صريحاً. فرغم قرار الكونغرس الأمريكي رقم 513 القاضي بحجب المعونات عن أي نظام يصل للسلطة بوسائل عسكرية، إلا أن هيرمان كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكي في وقتها أكد في أغسطس 1989 استعداد حكومته للتعاون مع نظام الإنقاذ. ولاحقاً في نوفمبر اكد نورمان اندرسون السفير الأمريكي في السودان أنه سيقنع حكومته بمساعدة السودان بشرط تطبيق إجراءات إصلاحية والتوقف عن التنكيل بالمعارضين. ورغم كل هذه العروض، لم يستجيب السودان لأي منها.

من أهم أسباب تضمين السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1993 وحتى الآن، هو استضافة السودان لأسامة بن لادن. عرض السودان على إدارة بيل كلينتون تسليم بن لادن, وهو العرض الذي قوبل بالرفض.

التحليلات أشارت إلى أن السودان أراد عقد صفقة صعبة التحقيق من وراء التسليم. بعد ذلك اتخذ السودان خطوات للتقارب مع امريكا بطرد بن لادن والعديد من الإسلاميين. كذلك في 1994 سمح السودان للاستخبارات الفرنسية باعتقال الارهابي الفنزويلي كارلوس الذي لجأ الى السودان في 1991 بعد أن كان المطلوب الاول لفرنسا، ولكن لم يستطع السودان عقد أي صفقة مع باريس مقابل تلك الخدمة.

وهنا نرى ما بين طلب صفقة مستحيلة لتسليم بن لادن وعدم وجود صفقة في تسليم كارلوس، ضعف موقف السودان التفاوضي أو عدم وجود استراتيجية لبناء علاقات مع الدول الغربية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

دليل آخر على ضعف الموقف التفاوضي السوداني وهو بقاؤه في قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم كل التقارير التي تشير إلى تعاون نظام السودان في الحرب على الإرهاب منذ 2002، كان نظام الإنقاذ قد فشل في أول اختبار خارجي خلال حرب الخليج الثانية باتخاذ موقف راديكالي بدعم الاجتياح العراقي للكويت ومن بعده معارضة التدخل الأجنبي في الحرب، مبرراً ذلك بأن حل الأزمة كان يجب أن يكون عربياً خالصاً، ولكن المأخذ كان في عدم إدانة السودان لصدام حسين بل الوقوف في صفه. ذلك الموقف تسبب في عزلة عربية كاملة للسودان.

كان للسودان في وقتها 9 دول مجاورة تقلصت ل7 بعد انفصال الجنوب، إلا ان السودان لم يستطع إلى اليوم إنشاء علاقة مستقرة مع أي من هؤلاء الجيران. فشمالا توترت العلاقة مع مصر خصوصا بعد اتهام الاخيرة للسودان بتدبير محاولة اغتيال مبارك في أثيوبيا، ثم رفض السودان طلب اثيوبيا ولجنة فض النزاعات التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية لتسليم 3 متهمين في تلك المحاولة، الرفض الذي أفضى إلى قرار مجلس الأمن 1054 بفرض على السودان.

شرقاً دعم نظام الإنقاذ حركة تحرير الأرومو في أثيوبيا وحركة الجهاد الإسلامي في أريتريا ما أدى لتوتر العلاقات مع كليهما، ووصل الأمر لتقديم أريتريا شكوى رسمية ضد السودان لدى مجلس الأمن تبعها قطع كامل للعلاقات في نهايات 1994.

غرباً ورغم دعم السودان للرئيس التشادي الحالي إدريس دبي في الوصول للسلطة إلا ان الحكومتين اعتادتا تبادل الاتهامات بدعم حركات التمرد والدعوات الانقلابية في كلا البلدين.
نفس الاتهامات ظهرت في العلاقات مع نظام القذافي في ليبيا مع بداية النزاع المسلح في دارفور في 2002. رغم احتضان تشاد وليبيا عدة جولات مفاوضات بين الحكومة وحركات دارفور المسلحة إلا أن النظام السوداني ظل يتهم الجارتين بدعم تلك الحركات.

جنوباً، ورث نظام الإنقاذ حرباً تاريخية مع الجيش الشعبي لتحرير السودان التي أنهتها اتفاقية نيفاشا في 2005، وخلال الحرب لم يتعاون السودان أي من الدول التي كانت تحده جنوباً في حل الأزمة أو استيعابها. وبعد الانفصال دخل السودان في مشادات مع حكومة دولة جنوب السودان انتهت بمواجهة عسكرية في 2012 بعد أشهر من الانفصال.

وخلال العشر اعوام السابقة بدأ السودان في التقارب مع إيران لدرجة التحالف الاستراتيجي والعسكري بينهما، وهو ما أعاد العلاقات مع دول الخليج إلى المربع الأول. وبسبب ذلك التقارب واتهام السودان بتسهيل تهريب السلاح الايراني لحركة حماس، أغار الطيران الاسرائيلي 4 مرات على السودان آخرها استهدف قلب العاصمة في أكتوبر 2012. مؤخراً عاد السودان للتقارب مع دول الخليج خصوصاً بعد الانهيار الاقتصادي الذي أعقب انفصال الجنوب.

قرار السودان بالمشاركة ضمن العمليات العسكرية الخليجية في اليمن دون الرجوع الى البرلمان ما هو إلا دليل محاولة التقارب مع هذه الدول. من تبعات حرب اليمن خسارة السودان لعلاقاته التي بناها لسنوات مع إيران في وقت ازدياد النفوذ الإيراني بعد توقيع الاتفاقية النووية مع أمريكا والمجتمع الدولي.

ختاماً، لربع قرن من الزمان شهدت علاقات السودان مع غالبية دول العالم تذبذبا وتباينا في المواقف, وبسبب ذلك عاني السودانيون من العزلة والعديد من الأزمات والعقوبات السياسية والاقتصادية على السودان خصوصاً الأمريكية التي أدت لحرمان السودانيين من التطور في مجالات شتى.

فهل آن الأوان لوقفة وبناء علاقات مع العالم الخارجي تعيد للسودان والسودانيين مكانتهم؟ ونتمنى أن يكون قرار مجلس حقوق الإنسان بوضع اسم السودان تحت البند العاشر بدلاً من الرابع, وقرار مجموعة العمل المالي الدولية بشطب اسم السودان من قائمة الدول المقصرة في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب, بداية لتغيير السودان لسياساته الخارجية بالاتجاه الأفضل.