المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف الشريف Headshot

جذر الأزمة السياسية في مصر

تم النشر: تم التحديث:

جوهر أزمة السياسة في مصر حالياً هو أن نظام السيسي قائم على تصور مقدس و ثابت ومتوارث عبر تاريخ الدولة المصرية الحديثة وهو أن السيادة للدولة وليست للشعب... وأن الدولة في مصر (وهي مجموعة من المؤسسات الأمنية و البيروقراطية والخدمية والعدلية والثقافية وفي القلب منها المؤسسة العسكرية) هي صاحبة البلد والوصية على الشعب... وهذه الدولة هي مصدر السلطة والشرعية و مستودع القيم الوطنية حصرياً ومرجعية الحقيقة السياسية والأخلاقية المطلقة وبانية العصر الحديث وصاحبة الحق الحصري في وضع قواعد اللعبة وشروط العلاقة بينها وبين المجتمع والشعب بتكويناته المختلفة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإقليمياً ...وعلاقة هذه الدولة بالشعب كما تراها الدولة تلخصها صورة الجندي والطفل الشهيرة الموجودة على الأتوبيسات وفي الشوارع في المدن المصرية، فالشعب هو الطفل الرضيع دائماً والذي يجب أن يبقى أبداً رهن الوصاية الصارمة والحانية للدولة (الجندي) قائدة الإجماع والاصطفاف الوطني عبر حراس معبدها وكهنته... و تصر هذه الدولة على طمس التعددية ومصادرة حقوق التنظيم والتعبير والتمثيل للأفراد والجماعات المختلفة داخل المجتمع.

وكل من هو خارج دائرة مؤسسات هذه الدولة ووصايتها وزبونيتها هو دخيل وغير وطني وغير مهتم بالمصلحة الوطنية (تحديدها هو حق حصري مقدس لمؤسسات الدولة فقط وغير خاضع لأي تفاوض أو جدل أو تمثيل للقوى الاجتماعية المختلفة في عملية تحديدها) وغير شريف وتابع لأطراف خارجية أو داخلية معادية للبلد ول "هويته " و"مصلحته" و"ثوابته الوطنية" وغيرها من المفاهيم المجردة الهلامية الخاضعة في تحديدها حصراً لمؤسسات هذه الدولة.. , وهذا التصور هو نتاج تفاعل تاريخي معقد ومركب بين مووروثات مختلفة تشمل الموروث السلطاني من العصر المملوكي والعثماني وتجربة دولة محمد علي وتجربة دولة اللورد كرومر الكولونيالية ودولة يوليو العسكرية- البيروقراطية ونتائج عمليات التحديث الناقصة التي قامت بها هذه المؤسسات الدولتية عبر القرنين التاسع عشر والعشرين واختيارات النخب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ضوء مصالحها المتراكمة وفي ظل شروط إدماج مصر داخل النظام الرأسمالي الدولي المهيمن عالمياً خلال هذا العصر وما أسفر عنه كل هذا من اختلال موازين القوى بين الدولة والمجتمع لصالح الأولى بالإضافة إلى تحكم الدولة في فوائض النشاط الاقتصادي وعمليات إنتاج القيم العامة والتصورات عن "النظام العام"..

وهذا التصور ليس فقط معادياً للديمقراطية من أي نوع (سواء أكانت ليبرالية تمثيلية أو جمهورية مباشرة أو تشاركية لا سلطوية) لكنه معاد للسياسة بألف ولام التعريف: السياسة كمجال لإدارة علاقات السلطة والتفاوض حول مدخلات ومنتجات السياسات العامة بمشاركة قوى المجتمع المختلفة بشكل يحقق توظيفاً جيداً لموارد المجتمع لتحسين شروط الحياة فيه و ربطها بمتغيرات واحتياجات العصر باستمرار... في ظل هذا التصور تموت السياسة لصالح هيمنة مؤسسات متكلسة ومتحجرة وعقيمة تكونت في سياق ظروف تاريخية متقادمة وتحكمها علاقات فاسدة وعصبوية و مافياوية وإجرامية ومملوكية الطابع مهتمة بالأساس بالنهب والسلب وتوزيع حصص المكاسب وتقسيم مناطق النفوذ ومخصصات الموارد العامة ومن ثم فهي صارت أشبه بعلاقات عزب وإقطاعيات المماليك في مصر القرن الثامن عشر حيث تصبح السياسة العامة للدولة هي محصلة موازين القوى بين المصالح الضيقة المختلفة لأجهزة مفككة وغير مترابطة وغير واعية بنفسها كمؤسسات عامة تمثل معاً كل سياسي اسمه "دولة الجماعة الوطنية الحديثة"... ومن نافل القول أن هذه الأجهزة تدهورت نحو المزيد من ضيق الأفق والانعزال عن مستجدات العصر، ومخرجاتها هي دائماً لصالح تأبيد الوضع القائم وإجهاض أي فرص لتغيير تنموي أو ديمقراطي أو تحديثي من أي نوع أو أي حراك سياسي أو اجتماعي أو ثقافي يمكن له أن يحلحل المصالح الهائلة المتراكمة حول هذه الدولة وشبكاتها المعقدة من الزبائن والأتباع و المستهلكين

هذا هو الجذر للأزمة السياسية المصرية وتتفرع منه كل القضايا الأخرى مثل الفساد والنهب والسلب وفشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإهدار الموارد، وغياب حكم القانون، السلطوية والقمع والدموية وإغلاق المجال السياسي وضيق التحالف الاجتماعي الحاكم (أو غيابه) وغياب المحاسبية والشفافية في صناعة القرار، وعدم الكفاءة، والتخلف الإداري وهيمنة المصالح الخاصة والضيقة والعقلية البيروقراطية الديناصورية العقيمة، وتكلس النخب، والضعف المؤسسي وتدهور التنمية البشرية من صحة وتعليم وغيرهما، وانهيار الخدمات الأساسية، وفشل التحديث الثقافي و الاجتماعي وانعدام الإصلاح الديني إلى آخره..

هذا هو جذر الأزمة في مصر وتجاهله أو التواطؤ على تغييبه من ساحة الجدل السياسي- بحجة المواءمة أو أنه "مش وقته" أو أنه "فيه أولويات أخرى" أو أنه من الممكن المراوغة لتحييد هذه الأزمة الرئيسية- يقود البعض إلى أوهام "الإصلاح من الداخل" والحلم ب "بونابرتية" إصلاحية تقودها مؤسسة "تحديثية" ما أو "قائد تحديثي" ما من داخل الدولة إلى كل هذه الترهات و الخزعبلات السياسية التي لا تقوم على أي أساس ولا تستند إلى أي حقائق غير تمنيات أصحابها... والمشكلة أن الاضمحلال الشامل الحادث في مصر نتيجة لتراكم عقود طويلة من أزمات هذه الدولة الفاشلة والعاجزة والمهيمنة في آن واحد هو بالفعل وضع شديد الخطورة ولا يحتاج لمزيد من الخزعبلات... وإعادة إنتاج هذه الأوهام هو قبول ضمني بحالة الفراغ القاتل الموجودة حالياً والتصحر السياسي حيث تخلو الساحة من أي بدائل ديمقراطية حقيقية تقدر على تجاوز أزمات المشروع والتنظيم والقاعدة الشعبية و الخطاب والقيادة والتمويل... بالتالي فهذا لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير نسخ متجددة من التيار الإسلامي (بكل مفاهيمه السلطوية المعادية للديمقراطية وأفكاره الرجعية الكارهة للحريات والحقوق العامة والخاصة ومنتجات الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية) على أنه قوة المعارضة الرئيسية والوحيدة التي تمتلك أيديولوجية متماسكة وحاضنة شعبية وكياناً تنظيمياً و ثقلاً سياسياً ورؤية للعالم تستطيع مقارعة جذور مصفوفة للدولة بأجهزتها وجمهورها وزبائنها وكسب قلوب الساخطين و المتضررين منها... ومن ثم يستمر صراع هذين الديناصورين في دائرة مغلقة لا أمل في التحرر منها وفتح ثغرة في جدارها إلا عبر استيعاب القواعد الكلية للأزمة و تحدي هذه القواعد بغية تغييرها كهدف واضح على مدى طويل.