المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أشرف القرشي Headshot

سأنمو لكني سأعيش طفلاً

تم النشر: تم التحديث:

العالم الجميل لا يبدو كذلك، وقد أطرته قوانين البالغين، أوامرهم لا تنتهي وعتابهم ولومهم يكاد يحبس أنفاسي، أخطائي البريئة لا تضاهي كبائرهم ومع ذلك فلا أحد يلومهم، لا أحد يعاقبهم بمنعهم من ألعاب الفيديو حين يشتمون بعضهم البعض ولا أحد يلزمهم بالبقاء في غرفهم طوال اليوم حين يسيئون لكبار السن، هم من يضعون القوانين وهم أول من يكسرها.

ما العمل؟
لقد أخطأوا حين كانوا يمنعونني من الخطأ، فكيف لي أن أستوعب خطئي إن لم أُخطئه؟ أخبرني أبي ذات يوم أن العالم ملك لشخص عظيم لا تدركه الأبصار، وأنه يجب علينا أن لا نفسد عالمه بأفعال سيئة وإلا سيعذبنا عذاباً شديداً وسيرمينا في نار كبيرة ويتركنا نحترق.

أجبته ببراءة والخوف يملأ عيني: هذا الشخص شرير يا بابا؟!

غضب أبي مني ووبخني بشدة، رغم أن حديثه عن ذلك الشخص هو ما أوحى لي بأنه شرير، هو من أخطأ وليس أنا فلماذا وبخني؟!
طلب مني أبي بعد ذلك أن أتكلم باحترام عن هذا الشخص، لم أستوعب طلبه الغريب ولم أستطع تلبيته فأنا لم أتعلم معنى كلمة "احترام" لم أسمعها قط تروج في محيطي، كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها الكلمة، فماذا يقصد بها يا ترى؟ على أي أنا لم أعرف خطأي ولا أعرف كيف أتجنبه في المرة المقبلة.

الجميل في الأمر أنه رغم اضطهاد البالغين لي على غرار أبي، كنت أحس طوال الوقت أن هناك شخصاً ما في مكان ما من هذا العالم يساعدني ويحبني ويحقق أمنياتي الصغيرة. لطالما أردت أن أراه وأشكره وأخبره بأنني أحبه كثيراً وأنني مدين له بكل الألعاب والشوكولاته والحلوى التي أملكها.

ربما هو نفس الشخص الذي كان يساعد الأنبياء في القصص والذي كان يبعد عنهم الأذى ويستجيب لدعائهم، هذا الشخص طيب للغاية.. إنه يحرك العالم بأسره لخدمتنا لا بد أنه مالكه الحقيقي.. مهلاً! هل قلت مالك العالم؟ هل هذا هو الشخص الذي كان يعنيه أبي؟ لكنه لم يخبرني بأنه شخص يحب الخير والجمال ويعين الضعيف وينصر المظلوم ولا يعاقب الصغار مهما أخطأوا، لم يقل لي إنه يسامح الناس جميعاً مهما بلغ حجم خطاياهم وإنه يرشدهم دائماً إلى الطريق الصحيح. لابد أن أبي قد نسي هذا.

لقد أخطأت حين اعتقدت أنه شخص شرير أرجو منه أن يسامحني، سأذكر أبي بأن مالك العالم شخص طيب جداً وسأطلب منه أن يعلمني كيفية احترامه بالطريقة المثلى.

أنا لا أعلم لماذا يعقد البالغون الأمور البسيطة، فأنا أرى العالم أبسط مما يرونه، فبالنسبة لي الحليب المحلى بنكهة الفراولة أثمن من البترول وقطعة الشوكولاتة التي تغمر قطع البندق أغلى حتماً من قطعة الذهب، كما أن سلاحي الرشاش الملون لا يقتل البشر ولا يؤذيهم هو فقط يبخ رذاذ الماء بلطف ليغازل وجوههم
ومع ذلك ينزعجون منه ويعاقبونني، حتى عندما أغضب من الدمى لا أعنفها بقسوة بل أخاصمها وأعود لمصالحتها بعد وقت وجيز كي لا تحزن، ولعبة القطع المبعثرة أكثر إمتاعاً من لعبة السياسة والحرب التي يلعبونها طوال الوقت.

بيدهم أن يعيشوا سعداء إن قرروا ذلك، لكنهم نسوا هذا الأمر، ربما أنستهم كثرة العمل ذلك فلطالما كان ينسى أبي أشياء مهمة كتاريخ ميلادي ووعده لي باصطحابي إلى مدينة الملاهي بسبب عمله.

أنا أكره أن أكون بالغاً لست مستعداً لاستبدال ثيابي الملونة والمزينة بصور الشخصيات المرحة ببذلهم السوداء المقرفة، سأنمو لكنني سأظل طفلاً مهما حدث فلو ظل البالغون أطفالاً مثلي لما احتاجوا للقوانين قط.