المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسر خطاب  Headshot

"تخيّلوا عالماً بلا لاجئين!"

تم النشر: تم التحديث:

على عكس القناعة السائدة لدى معظم الشعوب العربية والغربية، إضافة إلى الكثير من الحكومات اليمينية حول العالم، ليس اللاجئون لعنةً تحلّ على الدول المضيفة، إنّما بَرَكَةٌ عظيمة النفع إذا ما حسن التعامل معها، إذ يوجد بين هؤلاء الأشخاص كثيرون جارت عليهم الحياة في أوطانهم فاضطروا للخروج بحثاً عن بيئة أفضل عساهم يستطيعون استثمار ما يمتلكون من مواهب حيثما يلقون الترحيب ويجدون ظروف عيشٍ ملائمة.

قد تكون سورية إحدى أبرز الدول المصدِّرة للاجئين في الفترة الحالية نتيجة الحرب الهوجاء المندلعة فيها، لكنّها لم تكن كذلك دائماً! فبعيداً عن القصص الكثيرة الّتي تحكي دورها في استقبال اللاجئين ومساعدة الدول المنكوبة في فترة ازدهارها، ينبغي التفريق بين الحال المستدام لبعض الدول، والكوارث الهائلة الّتي قد تحلّ بها دون أن تستطيع المقاومة.

يحضرني رثاء الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي لحال البلد الّذي عاش فيه حين يقول:
لكلّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ، فلا يغرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هيَ الأيّامُ كما شاهدتُها دوَلٌ، مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتهُ أزمَانُ!

العالم دوماً في حالة من الاضطراب في بعض أقطابه، وأيّة أمّةٍ معرّضةٌ لمواجهة ضيقاتٍ اقتصادية وسياسية وإنسانية بين الحين والآخر، وفي هذا السياق، من الضروري التيقّن بأن الأمم الّتي تلعب دوراً إيجابياً في تقديم العون للشعوب المنكوبة حين تفتح الباب لمن يقرعه محتاجاً، هي الّتي تقف رابحةً في النهاية!

في مشاهد من تظاهراتٍ شارك فيها أكثر من 10 آلاف مواطنٍ في باريس وغيرها من المدن الفرنسية، رفع الكثيرون شعارات إنسانية مشجّعة تناهض سياسة بلادهم الّتي وصفوها بـ "القمعية"، ودعوا لترك التعصب حين قالوا بأنه "لا يوجد فرنسيون وأجانب، يوجد فقط بشر!"، كما انتشرت على نطاق عريض مقاطع فيديو تصوّر الاستقبال الحار الّذي يحظى به المهاجرون فور نزولهم من القطارات إلى الأراضي الألمانية، حيث باتت صيحةٌ معروفة تتردد كلّ يوم على مسامع الواصلين وهي:
"!Say it loud, say it clear, refugees are welcome here"
(قلها بصوتٍ عال، قلها بوضوح، مُرَحَّبٌ هنا باللاجئين!)

قد تكون هذه الأنشطة وغيرها من قرارات الحكومات ومبادرات القادة الأوروبيين كالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -الّتي أضحت بطلةً في عيون الشعب السوري- إضافة إلى الصور المؤلمة لضحايا عمليات الهجرة غير الشرعية كالطفل السوري إيلان.. آليات تسويقٍ إعلامي تستخدمها بعض القوى البراغماتية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية ومادية على المدى البعيد، مستغلّة الصورة اللامعة الّتي تكتسبها حين تمدّ يد العون للمهاجرين غير الشرعيين.

في ختام الحلقة الماضية من برنامج Amanpour على CNN، تخيّلت الإعلامية كريستيان أمانبور مع مشاهديها عالَماً بلا لاجئين A World Without Refugees، في بادرةٍ منها لإقناع العالم بأهمية التعاون مع اللاجئين السوريين وضرورة استقبالهم، فعبر التاريخ كان لأناسٍ كثر اضطروا لترك بلادهم أثر كبير على الدول الّتي هاجروا إليها إن لم يكن على العالم بأسره، أثرٌ كان من الممكن ألّا يبصر النور لو بقي هؤلاء في دولهم الأم نتيجة ظروف الحياة الّتي كانت سائدة هناك.

طَلَبَتْ أمانبور من مشاهديها تصوُّ عالَمٍ لم يعرف عبقرية ألبرت آينشتاين Albert Einstein اليهودي الألماني الّذي هاجر إبان تسلّط النازية على الحكم، وأسقط عنه الجنسية الألمانية ليعيش سنواتٍ من الإبداع في الولايات المتّحدة.

عالمٌ بلا لاجئين لم يكن ليعرف عالم الأعصاب الألماني وأبا التحليل النفسي الشهير سيجموند فرويد Sigmund Freud، إذ أنّ فرويد هرب إلى بريطانيا مبتعداً عن اضطهاد حكومة الرايخ الثالث الّتي لاحقته وأحرقت مؤلّفاته.

كذلك هو الحال بالنسبة للمغنّية والممثلة الألمانية مارلينه ديتريش Marlene Dietrich وعارضة الأزياء السودانية أليك ويك Alek Wek، مروراً بالمغني البريطاني ذو الأصول الهندية فريدي ميركوري Freddie Mercury، ووصولاً إلى النحات البريطاني-الهندي أنيش كابور وغيرهم الكثير والكثير ممّن ترك بصمته الخاصة على مسار تطور البشرية.

وفي إطار أضيق يجسّد النجاح الّذي قد يستطيع السوريون تحقيقه في الظروف الملائمة، تناولت العديد من وسائل الإعلام العالمية قصّة ستيف جوبز الّذي قدّم للعالم موبايل iPhone، فهو ابن مهاجرٍ سوري نشأ في الولايات المتّحدة وأحرز فيها نجاحه على الصعيد المهني والتكنولوجي.

عشراتٌ من اللاجئين وأبناء اللاجئين برزت أسمائهم في سماء المشاهير، وعشرات الآلاف منهم كانوا جنوداً مجهولين جسّدوا وقوداً أُحرق لتصعد بفضله الكثير من الصروح والشركات والأعمال عالياً وفق معايير مرموقة. صحيحٌ أنّ هذا شكّل لهم فرصةً لا تعوّض، لكنّهم لم ينسوا يوماً أثر بلادهم، وربّما لم يرغبوا في تركها أساساً، لو لم تكن مخاطر السعي خلف اللجوء أهون بكثير من هول البقاء ومواجهة ويلات الحرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع