المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسر خطاب  Headshot

آن أوان ضبط السلاح!

تم النشر: تم التحديث:

لم يعد أمر تأويل القضايا الإنسانية بحسب المصلحة السياسية في الولايات المتّحدة خفيّاً على أحد، فسقوط عددٍ من القتلى نتيجة اعتداءاتٍ إرهابيةٍ أو عرقيةٍ أو دينية قد يتسبّب بإثارة حربٍ هوجاء على دولةٍ ما، تحت ذرائع لا حصر لها كأن تكون هذه الحرب "حملةً صليبيةً مقدّسة"، كما سمّى جورج بوش الابن غزوه للعراق حين قال: "كلّمني الله وأمرني أن أنهي الطغيان!".

لا يخفى على أحدٍ كون اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 -لأرواح ضحاياها كلّ الرحمة- فاتحةً سياسية لانطلاق إدارة بوش الابن -الجمهوري- نحو أفغانستان والعراق سعياً لـ"مكافحة الإرهاب والتطرّف الديني"، الذي لم يكن قد اتّخذ ملامح واضحة كالتي نراها اليوم حين نشاهد فظائع "الدولة الإسلامية" في العراق وسورية، و"جبهة النصرة" في سورية، و"بوكو حرام" في نيجيريا، بل وحتّى تنظيم القاعدة ذاته.

فعقيدة هذه التنظيمات -سواء الّتي ظهرت حديثاً أو الموجودة منذ زمن- باتت تتعمق، وجذورها في الدول المختلف باتت تترسخ. العالم الّذي لم يكن يعرف سوى اعتداءات إرهابية تعد على أصابع اليد قبل 14 عاماً، بات اليوم يمتلك دولةً إسلامية متشدّدة يفوق عدد سكّانها عدد سكان الدنمارك، وتزيد مساحتها على مساحة المملكة المتّحدة، بحسب إحصاءات وخرائط عالمية!

هل من عوامل ساعدت على انتشار ذلك التطرّف وتعميق مفهوم ذلك الإرهاب، غير البغض المتفشّي في الأمّة الإسلامية تجاه الولايات المتّحدة وإدارتها الجمهورية خلال عهد جورج بوش الابن (2000 - 2008)؟ أليس التوجه نحو معاداة كلّ مسلمٍ وكلّ عربيّ، وظلمهم وتحاشيهم وقمع حضارتهم عوامل قد تساعد على انتشار ذلك الإرهاب من خلال تسهيل زرع فكرة الجهاد ضدّ المستعمر الصليبي في عقول بعض المتأثرين سلباً بمظاهر الاحتلال الثقافي والعسكري والاقتصادي لبلادهم من قبل القطب الإمبريالي الأوحد؟

من المثير للمفارقة ردّات الفعل المختلفة للإدارة الأميركية تجاه أحداث العنف المختلفة المطبّقة داخل أراضيها، حيث شهد العام الماضي مقتل 8512 شخصاً -بحسب أرشيف عنف السلاح- راحوا ضحية الانتشار غير المنظّم للسلاح، وهو رقم يفوق عدد ضحايا الإرهاب في الولايات المتّحدة خلال 40 سنةً انصرمت (بين 1970 و2014) بحسب قاعدة البيانات العالمية للإرهاب، وذلك كلّه يرجع -بحسب ممثّلي الحزب الديمقراطي- لدعم الجمهوريين حق كلّ مواطنٍ في الدفاع عن نفسه بهذه الطريقة العوجاء.

ورغم ذلك، لم يصدر حتّى اليوم أيُّ تعديل على تلك القوانين، ولم تتعدّ الإجراءات المتّخذة تلو أحداث العنف سوى النعي والإدانة وتبادل الاتّهامات بالتقصير. "هناك أسلحةٌ لكلّ مواطنٍ في الولايات المتّحدة!"، هكذا قال الرئيس الأميركي باراك أوباما تعليقاً على الحادثة المؤسفة الّتي وقعت صباح الخميس الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2015 في كلّية أومبكوا Umpqua Community College بولاية أوريغون Oregon، حيث راح 10 أشخاص قتلى وسقط ضعف ذلك العدد جرحى نتيجة إطلاق عياراتٍ نارية من قبل شخص مضطرب يبلغ 26 عاماً من العمر ويدعى Chris Harper Mercer.
"صلواتنا لم تعد كافية"، صاح الرئيس الأميركي في وجه داعمي انتشار السلاح، معرباً عن حزنه الشديد لأنّ "كلّ هذا أصبح روتيناً"، ففي أورورا، كولورادو، توسون، أريزونا، فيرجينيا، تشارلستن وكارولينا الجنوبية، توالت الأحداث بشكل متشابه جدّاً، شخص مضطرب يرفع السلاح ويودي بعدد من الضحايا، تلي الحادثة تغطية إعلامية صاخبة وتحقيق في هوية المجرم وضحاياه، ومن ثم خروج الرئيس الأميركي بتصريح يدين فيه هذا الأمر ويطالب بضبط انتشار السلاح.

لكن -ومع الأسف- لا يزال المحافظون في الحزب الجمهوري حتّى اليوم ينادون بـ"حقّ الإنسان المقدّس" في الدفاع عن نفسه وحمل السلاح في وجه المعتدين! مؤكّدين أن كلّ راغب في امتلاك السلاح يحقّ له ذلك كي يحمي نفسه من خطر المجرمين والإرهابيين. وهو أمرٌ لم يعد العقل الأميركي ولا عقول المتابعين حول العالم قادراً على استيعابه، فكيف يمكن لزيادة انتشار آلات القتل والاعتداء بين أيادي المواطنين بشكل غير منضبط أن تساعد في حمايتهم؟ كيف يمكن ضمان ألّا تصل هذه الأسلحة بسهولة إلى الأيدي الخاطئة الّتي تبتغي نشر ثقافة الموت والقتل في كلّ مكان؟

ليست الولايات المتّحدة الدولة الوحيدة الّتي تمتلك مضطربين نفسياً -بحسب ما قال أوباما عقب حادثة أوريغون- لكنّها الدولة الوحيدة الّتي تصاب كل بضعة أشهر بطامّة مثل هذه نظراً لسهولة الموضوع وإمكانية تطبيقه بلا رادع!

تثير هذه الأحداث والقضايا الشك والتساؤل في أعماق متابعيها، وتزيد التأكيد في قلوب شعوب العالم بأنّ المصالح السياسية في الولايات المتّحدة تحكم مصير الناس والدول، دون أيّ تفكير في التبعات المستقبلية للتركيز الشديد على قضية ما وإضاءة جوانب محدّدة فيها، والإهمال القاتل لقضية أخرى دون اتّخاذ الجرأة على التغيير نحو الأفضل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.