المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسر خطاب  Headshot

حين يَفْرحُ السوريّ..

تم النشر: تم التحديث:

من قال أنّ السوريّ لا يَسْعَد، وظَنَّ أنّ حياته محض جحيمٍ وأسىً مستمرَّين على مرّ الأيّام، أخطأ الظنّ ولو قليلاً، فالمواطن السوريّ قد ينعم -أحيانًا- كغيره من الناس حول العالم بقسط من الفرح والبهجة جرّاء عوامل كثيرة قد تطرأ على حياته اليومية، ولكن الغريب والمثير والمحزن حقًّا، هو حقيقة تلك العوامل الّتي تجعل نصف طامّة فجرًا مشرقًا بالأمل في حياةٍ لم تعد تعرف سوى لغة المصائب!

بحسب دراسة أعدّتها وزارة الصحة السورية مطلع العام الجاري، زادت نسبة السوريين المصابين باعتلالات نفسية أو عقلية بنسبة 25% منذ العام 2011 وحتّى اليوم، وتبيّن أنّ 40% من السوريين يحتاجون لمراجعة الأطبّاء النفسيين، وهو أمرٌ يعتبره السوريّون حكرًا على المجانين، كما يُرجّح انتشار أمراضٍ مثل الاكتئاب الحاد، الذهان Psychosis، البارانويا Paranoia ، اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، وأحيانًا تطفو أحاديث عن اختلالات أكثر عمقًا مثل انفصام الشخصية Schizophrenia.

كما وضّحت منظمة الصحة العالمي أنّ أكثر من 350 ألف سوريّ يعانون من الاضطرابات النفسية الحادة، وأكثر من مليوني فرد يعانون من مستوى خفيف إلى متوسط من المشاكل النفسية، مثل القلق والاكتئاب، فضلًا عن معاناة عدد لا بأس به من مستوى متوسط إلى حاد من الضيق النفسي.

لكن هذه الأمراض لا تدخل في قاموس مصطلحات المواطنين، حيث لا تنتشر ثقافة الصحّة النفسية بشكل واسع، إذ يعتبر الإنسان السوري كلّ ما يجري له مجرّد كآبة طبيعية نتيجة الأحداث، قد تتغير وتزول آثارها تلقائيًّا يومًا ما، دون أن يظنّ لوهلة أنّ حالته قد تكون مَرَضِية، ومن المحتمل أن تترك آثارًا سلبية على نفسيته تدوم أمدً طويلًا.

فالنسبة الكبيرة من السوريين الّذين يستهلكون كلّ يوم عقاقير مهدّئة للأعصاب كمشتقّات البنزوديازبين Benzodiazepines، خصوصًا حبوب الليكزوتان Lexotan، أو أدوية مثل دورميكوم Dormicum وترامادول Tramadol وغيرها، لا يعرفون بأنّهم مصابون بإدمان مرضي على مواد كيميائية تسبّب لهم عدّة أضرار جسمانية ونفسية.

ورغم كلّ ذلك، لا يزال الإحساس بالفرح يعمّ الكثير من السوريين بين الحين والآخر، وحتّى اللحظة، من الممكن أن تسمع ضحكات بعض المواطنين في الشوارع والبيوت، لكنّه فرحٌ قد يراه كثيرون مزيّفًا إذا ما خاضوا غماره، أو ربّما يكون ناتجًا عن بساطة في التفكير، ولعلّه أحد أعراض تلك الأمراض الّتي ذكرتها آنفًا!

هاكم مثالًا على ذلك...
في الأسابيع القليلة الفائتة، كانت ساعات التقنين الكهربائي في منطقة منزلي بالعاصمة دمشق، تمتدّ من العاشرة صباحًا وحتّى الثانية بعد الظهر، ثم يعاود التيّار انقطاعه من الرابعة عصرًا وحتّى الثامنة مساء، وهو وقت "مثالي" أُحسد عليه بالقياس مع مواعيد انقطاع الكهرباء الطويلة في مناطق أخرى من العاصمة والمحافظات، هذي المواعيد قابلةٌ للتزايد أو النقصان حسب المستجدّات على الساحة السياسية ونظيرتها العسكرية، فأمور المواطنين بخير ما دام "خطُّ الغاز" بخير، و"المحطّةُ الحرارية" بسلام!

كانت الساعةُ السابعة و28 دقيقة من مساء يوم الخميس، عندما فاجأني نورٌ غمر المنزل فجأة، رافقه صوت مذيعٍ يسرد قصّةً ما على التلفاز، ونسيمٌ عليل ينبعث من مكيّف الهواء ليكسر الحرارة القاسية.. نعم، انتهى التقنين قبل نصف ساعةٍ ودقيقتين من موعده! فهلّ يصدّق القارئ الفرحة الّتي قد ترافق مواطنًا سوريًّا كُتب له أنّ ينعم بمغريات الكهرباء وقتًا إضافيًّا غير محتسب؟
أعتقد أنّه لن يُصدِّق..

فهكذا حدثٌ لا يجسّد سوى إعطاء إنسان القرن الحادي والعشرين أبسط حقوقه المشروعة بعد أن حرم منها وقتًا طويلاً، وسيعود ليحرم منها مجدّدًا بعد بضعة ساعات، لكنّه رغم ذلك -ويا للسخرية- دفع بي إلى شعور بالامتنان اكتسى كياني بشكلٍ كامل، ورسم على وجهي ابتسامةً لم تمح إلّا بعد بضعة ساعاتٍ.

لكن إن لم يصدّق القارئ -غير السوري- ما سبق، فسيرى فيه الكمّ الأكبر من أهالي المدن والقرى السورية، ترفًا عجيبًا، وربّما غير مستَحَق! كيف لا وأهالي حاضرة الشمال السوري، حلب، يعيشون بلا تيّار كهربائي أيامًا وأسابيع وأحيانًا شهورًا متّصلة! ولا يحتجّون أو يتذمّرون لأنّ انقطاع المياه المستمر لا يسمح لهم بالتفكير ببذخٍ لا داعي له كالنور والتلفاز وغيرها من الأجهزة الكهربائية، أمام احتياجاتٍ كالاغتسال والتنظيف والشرب!

كيف لا وما للمواطن السوري من وسيلة لردع حرّ الصيف في غياب الكهرباء، وبرد الشتاء في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، ولكي تكتمل المعاناة شهد الإقليم في العامين الفائتين عواصف ومنخفضات شتوية، ومرتفعات حرارية صيفية، لم تشهدها المنطقة منذ وقتٍ طويل!
كيف لا وقد حرم الإنسان من التفكير بالسياحة الداخلية والخارجية، ومن شراء الأجهزة والتقنيات الحديثة، فسعر أيّ سلعة مستوردة قبل آذار 2011 هو أقل ستّ مرّات من سعرها اليوم، وحتّى السلع المحلية بلغت من الغلاء قدرًا لا يحتمله المواطن ذو الدخل المنخفض والمتوسط!

كلّ ذلك وأكثر، سيدفع حتمًا بالمواطن السوري إلى أن يفرح بحصوله على 500 أو 1000 ليتر من المياه أثناء فترات الانقطاع بعد محاولات عديدة بائسة، وسيثلج قلبه شراء عبوة الغاز بعد الاصطفاف ساعات طوال على دور ظالم في ظروف الحرّ والبرد، ولا شيء يمكن أن يسعده أكثر من عودة أبناءه من مدرستهم سالمين، وحفاظه على عمل يضمن له الحدّ الأدنى من شبع ودفء ومظهر مريح وقليل من الترفيه الّذي لا يتجاوز حدود: مشاهدة التلفاز، الاستمتاع بمزايا شبكة الإنترنت اللاسلكي WiFi المقطوعة عن عدّة مناطق سورية بشكل كامل منذ أشهر، بضعة أمور أخرى أرى عدم الجدوى في تعدادها..

هكذا وبكلّ بساطةٍ تمكّنت الحرب من اختطاف الكثير من الأرواح، وتدمير العديد من المعالم، لكنّ الأثر الأعمق الدفين كان في قلبها لموازين الصحّة النفسية دون شعور المواطنين، ونسف مفاهيم الحزن والسعادة والأمل والحياة بشكلها السابق، لتعيد تكوينها وفق معايير مغلوطة، وصار المواطن ذاته، الّذي كان يعدُّ ميسور الحال، ويسعده شراء سيارة جديدة، أو منزلٍ فسيح، يفرح حين يحصل على بضعة ليترات ماء أو كميةً بسيطة من محروقات لتشغيل أجهزة التدفئة أو مولّدة الطاقة الكهربائية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبرعن وجهة نظر فريق تحرير الموقع