المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسر خطاب  Headshot

لمسلكٍ تعليمي صحيح: الشغف أساس الخيار

تم النشر: تم التحديث:

طويلاً دام عهد التحاق الشباب بعد حيازة شهادة التعليم الثانوي، بكلّيات يكثر عليها طلب العموم، تشترط عادةً تحصيل معدّلاتٍ أعلى من باقي الفروع العلمية والأدبية، الّتي بات البعض ينظر لها بفوقيةٍ على أنّها "دون مستوى" العلوم التطبيقية الأخرى كالطبّ والصّيدلة وبعض علوم الهندسة.

عهدٌ ما زال شائعًا في أوساطٍ كثيرة حتّى اللحظة، وتقليدٌ يرثه الأبناء عن الآباء، مثلما اعتادوا أن يَرِثوا المهن والحرف جيلاً تلو الآخر. ولهذا التقليد أثرٌ كبير على فئات اليافعين الّذين أضحت رغباتهم المستقبلية تتبلور حسب معايير "البرستيج Prestige" لا بحسب الميول والمواهب الّتي يمتلكها كلّ شخصٍ وتميّزه عن غيره من الزملاء والأصدقاء، وباتت نشاطاته الحياتية تتمحور حول تكثيف الجهود الّتي تحقّق ما يعتقد بأنّه مقصده الأسمى: دخول إحدى تلك الكلّيات.

سَرَت العادةُ على ترديد الوالدين والأقرباء أمام أولادهم أدعية مثل: "إن شاء لله نشوفك دكتور!"، و"بكرا بتصير مهندس متل أبوك!" (أمثلة من المجتمع السوري)، لكن فيما يخصّ العلوم الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية وغيرها، فهي -بالنسبة لمعظمهم- مجرّد "هوايات" أو اهتمامات ثانوية، لا مانع من متابعتها إلى جانب ممارسة مهنةٍ "تكسب صاحبها مكانةً اجتماعيةً عالية ودخلاً ماديًّا يكفيه ليعيش مع أسرته المستقبلية حياةً كريمة لا يعيبها شيء".

وبعد انقضاء عامٍ صعبٍ وشاق يمضيه طالب "البكالوريا Baccalaureate" في التحضير والتعلّم، يتقدّم إلى الامتحان النهائي، ثمّ يدخل مرحلة الانتظار: انتظار النتيجة، ثم مفاضلة القبول وملحقاتها، وخلال هذه المرحلة تأخذ السيناريوهات المتعلّقة بمستقبل الطالب بالتشكّل حسب توقّعاته و "متطلّبات العمل" الّتي يحدّدها أفراد عائلته بحسب ما يرضيهم، لا بحسب دراسات السوق واحتياجاته.

كانت لي تجربةٌ شخصية في هذا الموضوع، أرى ذكرها مجديًا، فبعد نجاحي في امتحان الشهادة الثانوية السورية منتصف العام 2012، قرّرت الالتحاق بكلّية الإعلام في جامعة دمشق، رغم أنّني كنت أستطيع دخول عدّة كلّيات أخرى تتطلّب معدّلاً أعلى. لم أتلقّ معارضةً من أهلي كونهم يدركون ميلي نحو هذا الاختصاص منذ فترةً طويلة، لكنّ المجتمع المحيط من الأصدقاء والأقارب لم يتقبّل الفكرة، واعتبرها تهوّرًا أو مظهرًا من مظاهر المراهقة الساذجة! بل وصل الحدّ بأحد الّذين أخبرتهم برغبتي، إلى عدم التصديق، والقول بأنّي أسخر منه أو أخفي عنه رغبتي الحقيقية!

لدي قناعة راسخة -لا تزال جذورها تتعمّق في ذهنيتي حتّى اليوم- وهي أنّ الإنسان لا يبدع إلّا إذا أحبّ العمل الّذي يؤديه، وأنّ نجاحه في دراسة أيّ اختصاص لا يحبّذه سيكون محدودًا، وأفقه ضيّقًا أمام منافسةٍ كبيرة من المبدعين في ذلك المجال، فهنا، لست بصدد تفضيل علمٍ عن آخر، وتقديم مهنة أمام غيرها، إنّما يحكم الأفضلية عاملٌ رئيس هو: الشغف، بعيدًا عن الأهواء والرغبات المؤقّتة الّتي سرعان ما قد تزول.

وبالعودة إلى قصّتي، أصررت على تحقيق أمنيتي الّتي باتت اليوم واقعًا ومنهجًا أتّبعه في العمل والحياة، جابهت كل من واجهني بتعصّبٍ فكري، وقدّرت موقف كلّ من نصحني من منطلقاتٍ يراها هو منطقيّةً وفي نهاية المطاف، ها أنا اليوم أُقارب موعد التخرّج من الكلّية، ولا أندم للحظة واحدة على القرار الّذي اتخذته، رغم كلّ الصّعاب الّتي واجهتها، وجلّ المعوّقات الّتي تلوح في الأفق المهني.

وانطلاقًا من هذه التجربة، أخذت على عاتقي المساهمة في دعم الجيل الأصغر -بالنُصحِ- قدر المستطاع، خاصّةً ونحن اليوم على مشارف استقبال عام دراسي جديد، لعلّ تجربتي البسيطة تكون ذات فائدة، كي لا يخطو أحدٌ ما في مسارٍ لا يهواه، أو نهجًا يظنّ أنّه الأفضل دون امتلاكه دافعًا حقيقيًّا لاتّباعه.

من يشدّدُ على ضرورة التفكير بالمكسب المادّي، والمركز الاجتماعي الّذي قد يؤمنّه العمل بأي مجال لأيّ فرد، على حق، لكنّ من غير المعقول اختزال المجالات والأعمال الكريمة في ما تقدّمه كلّيتان جامعيتان أو أكثر بقليل، فنحن نعيش عصر الإبداع الفكري، ونتداول "سلع" المعرفة بشكل يومي، يضاف إلى كلّ ذلك بروز علوم الاتّصال والإعلام الجديد، ومناحٍ متعددة في ميادينٍ كالإدارة، العلاقات العامة، التسويق والمبيعات، ناهيك عن المجالات التقنية كالبرمجة وهندسة الحاسوب والشبكات وغيرها كأدوات فعّالة وذات تأثير كبير في المجتمع، خصوصًا أن وصولها بالشكل الأكاديمي الدقيق إلى أراضي الوطن العربي لا يزال حديث العهد، وربّما يخوض لفيفٌ منها أولى مراحل نضجه في دول معيّنة.

يبقى الخيار آخر الأمر، قابعًا بين أيدي ذلك الجيل الشاب، والأجيال اللاحقة، الّتي إن وجد فيها امرئٌ يمتلك معرفةً حقيقيةً بذاته وخاض غمارها، لن يضلّ للحظةٍ مساره، وسيهتدي بنور الشغف للاختيار الأفضل، حتّى لو لم يكسب ذلك الخيار ألوفًا من الناس رزقًا وفيرًا أو مكانةً رفيعة، إلّا إنه سيهبها بكلّ سخاء لأصحاب الإرادة والموهبة، الّذين إن جَهِدوا وتبدّلت أحوالهم، يرون في ذلك تجربةً أشدُّ نفعًا من "نصف نجاحٍ" يُحرَزُ في ميادين تنتمي لعقولٍ أخرى.