المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسر خطاب  Headshot

عن الصحفي الوحيد الّذي قابل منسّقي هجمات 11 أيلول

تم النشر: تم التحديث:

"صباح الرابع عشر من يونيو عام 2002، كانت قناة الجزيرة على موعدٍ مع أكبر خبطة صحفية في تاريخها، عندما دخل يسري فودة إلى مبناها في الدوحة محمّلاً بفكرته وأسراره الّتي بدأ يكشف عنها."

- رون ساسكيند، صحفي فائز بجائزة بوليتزر

لا يزال صدى العبارات الرنّانة لرجلٍ غيَّر وجه الصحافة الاستقصائية التلفزيونية العالمية، حيّاً في ذكرى مشاهدي قناة الجزيرة منذ أواخر التسعينات من القرن الماضي وخلال العقد الأول من الجاري، فالتألّق الّذي حقّقه برنامجه الشهير "سرّي للغاية"، لا مثيل له في الإعلام العربي حتى اليوم.

يحكي الإعلاميّ المصريّ يسري فودة عن انطلاقة البرنامج في تقديمه لكتاب "على درب الحقيقة - دليل منظمة أريج للصحفيين الاستقصائيين العرب"، على الشكل التالي: "بعد انطلاقة قناة الجزيرة بأشهر قليلة عام 1996، حزمت أمري وقرّرت أن أطرح على إدارتها فكرة بدت للبعض مجنونة، أن يسمحوا لي بالاختفاء شهرين كل شهرين كي أعود إليهم بتحقيق تليفزيوني مدته 45 دقيقة!" وهو ما رأت فيه إدارة القناة اقتراحاً غير منطقي أوّل الأمر، لكن سرعان ما غيّروا رأيهم بعد أن أعطوه الفرصة ليصوّر حلقة تجريبية في محل إقامته، لندن، بميزانية تقارب الصفر، ولاقى عمله نجاحاً باهراً!

يظهر النجاح الّذي حقّقه هذا الرجل جليّاً في الإنجازات المدهشة الّتي قام بها في سلسلة من التحقيقات المثيرة، الّتي تربّع على رأسها ملفٌّ من جزأين حمل عنوان: "الطريق الى 11 سبتمبر"، بثّته قناة الجزيرة بعد عامٍ على وقوع "غزوة منهاتن" -كما يحبّ منسّقو الهجمات في تنظيم القاعدة أن يسمّوها- ليصبح صاحب التحقيق تلو ذلك عنواناً رئيساً على عددٍ كبير من أهمِّ وأبرز الصحف العالمية.

فهذا التحقيق كان الأوّل من نوعه فيما يتعلّق بأحداث 11 أيلول/سبتمبر الّتي شغلت وكالات الاستخبارات ووكالات الأنباء إضافة إلى كافّة وسائل الإعلام العالمية والمحللين السياسيين الغربيين، وكانت فاتحة "الحملة الصليبية" الّتي أعلنها جورج بوش الابن في خطابه الشهير تعقيباً على ما جرى، ممّا جعل الكثيرين حول العالم يتّهمون الإدارة الأمريكية بشراكتها، أو حتّى تنسيقها المباشر مع منفّذي الهجمات لكي تكون ذريعة تختبئ خلفها حين تنتهك سياسة الأمم الأخرى.

ما من أحدٍ توصّل إلى ما اكتشفه يسري فودة حيال هذه القضية، حيث قدّم للعالم بأسلوب سلس ما كان يجهله معظم الناس في ذلك الأوان، مجيباً بدقّةٍ شديدةٍ على العديد من الأسئلة الّتي تتعلق بالجانب العسكري والتكتيكي للهجمات، بعيداً عن الأصابع الخفية الّتي امتطت موجة مكافحة الإرهاب العالمي بعد الحادثة.

ومن أبرز الأسئلة الّتي أجاب عنها:

• من هم المنسّقون المباشرون للعملية؟
• من هم منفّذوها؟ وما جنسيّاتهم وخلفياتهم العلمية والاجتماعية؟
• كيف كان المنسّقون يتواصلون مع بعضهم؟
• ما الآليات الّتي اتّبعت في التخطيط للهجمات؟

ففي مطلع نيسان 2002 اتّصل شخص يدّعي أنّه فاعل خير بيسري فودة، متسائلاً إن كان إعداد حلقةً خاصّة بالذكرى الأولى لـ 11 أيلول على قائمة رغباته، وعلّمت هذه النقطة بداية لرحلة طويلة دامت 54 يوماً، قاده تواتر الأحداث فيها -كما يشرح بالتفصيل في كتابه الصادر عن دار الشروق والّذي يحمل عنوان "في طريق الأذى"- إلى أن تلقّى دعوةً للحضور إلى مدينة كراتشي في أفغانستان للحصول على لقاء حصري لم يسبقه إليه أحد مع من اتّضح أنّهما رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، خالد الشيخ محمد، والمنسّق العام لعملية 11 أيلول رمزي بن الشيبة.

لن أتحدّث عن تفاصيل اللقاء الشيّقة ولا عن الأحداث الّتي سبقتها أو تلتها، لكنّ الجدير بالذكر هو ما عبّر عنه "فودة" في كتابه بشفافية، واصفاً شعوره لحظة خرج من مبنى القاعدة الآمن في كراتشي، وهو يحمل معلوماتٍ ستدفع -بالتأكيد- أعتى أجهزة الاستخبارات لتشتريها بعشرات ملايين الدولارات في حال علمت بوجودها، وكان الانتشار الأميركي واسعاً في كراتشي وغيرها من المدن الأفغانية، كما أنّ لا أحد كان على دراية بما يقوم به، ولا حتّى إدارته في محطّة الجزيرة!

معلوماتٌ وبياناتٌ وصورٌ قيّمة كان معدّ ومقدّم "سري للغاية" الوحيد الّذي يمتلكها، موادٌ مرئية صُوّرت أثناء المقابلة وأخرى صُوّرت في ألمانيا وباكستان وأميركا ومصر ولبنان وغيرها جعلت من تحقيقه مصدر معلوماتٍ ومرجعاً لا غنى عنه حين تودّ كسب المعرفة المتاحة عن 11 أيلول، بعيداً عن تلك المعلومات الّتي لا يستطيع أحدٌ تفنيدها أو إثبات صحّتها حتّى اللحظة.

وكنموذج عن الجهل الدولي -المقصود أو غير المقصود- بتفاصيل هذه الرواية، كانت تغطية وكالة رويترز للموضوع كما أوردها "فودة" في كتابه، على الشكل التالي: "ذكرت قناة الجزيرة الناطقة بالعربية أن لديها اعترافات من رجلين تقول إنّهما عضوان في تنظيم القاعدة الّذي يتزعّمه أسامة بن لادن يزعمان فيها مسؤولية التنظيم عن مسؤولية التنظيم عن هجمات الحادي عشر من أيلول."

وبالتأكيد فإنّ تحقيقاً على هذا المستوى الرفيع عرّض صاحبه لمواجهة العديد من المتاعب، كان أبرزها صعوبة الحصول على أشرطة اللقاء مع خالد الشيخ محمد ورمزي بن الشيبة، اللّذان أصرّا على الاحتفاظ بها لإجراء بعض التعديلات الفنّية عليها. إضافة إلى ذلك، فقد واجه الصحفيّ في قناة الجزيرة آنذاك، اتّهامات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية والدولية، إذ ألقي القبض على رئيس اللجنة العسكرية في تنظيم القاعدة خالد شيخ محمد بعد فترة وجيزة من بثّ التحقيق، مما أثار تساؤلاتٍ عدّة لدى صحفٍ عربية وعالمية كان منها صحيفة الأهرام المصرية.

رغم عمله المتقن والمثير، وارتقاءه عالياً في تغطية قضيّة دولية شائكة بصورة لم يتمكّن من إحرازها إعلامٌ عربي آخر سابقاً، ترك الإعلامي يسري فودة أمام المشاهدين تساؤلاتٍ عدّة عبثاً يحاول العالم حتّى اليوم التيقّن من إجاباتها، ولا تزال هذه الأسئلة بعد 14 عاماً على مرور تلك الأحداث قائمةً دونما تغيير.

تساؤلات يجسّدها صاحب التحقيق في عباراتٍ نسجها بطريقته الخاصّة الّتي لم أجد بدّاً من نسخ مقتطفاتٍ منها حرفياً كما صدرت عن فمه في نهاية الجزء الثاني من التحقيق:

"أمام الغربيين سؤال، وسؤال آخر أمام المسلمين، فرغم أنّنا استطعنا من خلال هذا التحقيق، أن نقطع الشكّ باليقين، في من أراد، ثم خطّط، ثم نجح في أن يصفع الإدارة الأميركية صفعة مدوية على أرض أميركية أمام العالم كلّه، فإننا لسنا متأكّدين بعد من أن أحداً ما في هذا البلد لم يمانع في الواقع في الانحناء ولو قليلاً لتلقّي هذه الصفعة كي ينطلق منها إلى ركلٍ ورفسٍ في كلّ زاويةٍ دون رادع.

وأمام الغربيين -وبخاصّة الأميركيون منهم- إن أرادوا حقّاً إنصافاً بأنفسهم، أن يتساءلوا عن ذلك الّذي يمكن أن يدفع شباباً، بعضهم على أعلى درجات العلم، وبعضهم على أعلى درجات الانفتاح على الحياة، وبعضهم من أثرى أثرياء العرب، وكلّهم في عمر الزهور، إلى أن يلقوا بأنفسهم طوعاً إلى ما يراه الأمريكيون تهلكةً ويرونه هم جنّة الفردوس."

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.