المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عاصم منصور  Headshot

قصه لم تكتب خاتمتها بعد

تم النشر: تم التحديث:

تمردت على كل القوانين والأنظمة، ورفضت الانصياع لها، تلك القوانين التي حكمت مثيلاتها منذ الأزل، اختارت لنفسها طريقاً لا يمكن التنبؤ بمساراته ولا مآلاتها .

قامت بنسخ خريطتنا الوراثية، واحتفظت في ذاكرتها بكل غرائزنا، ورغباتنا البدائية، حب التكاثر، بحثنا المحموم عن الخلود، أنانيتنا وجشعنا، وتفوقت علينا في تلك الغرائز جميعها.

تكاثرت بلا ضوابط، ورفضت أن تموت، وحيث إن تشابهها مع خلايا الجسم يصل حد التطابق، فقد عرفت كيف تموّه وتستعمل كل الطرق لتفادي دفاعاتنا. وحيث إنها تعرف نقاط ضعفنا وقوتنا، فقد استخدمت هذه المعلومات لمصلحتها، فنمت نقطة عمياء على شاشات راداراتنا.

نهمها للغذاء أكبر مما يمكن أن يمدها به الجسم، فبحثت لنفسها عن مصادر جديدة أمنت لها الغذاء اللازم لنموها المنفلت فغرزت أذرعها المشوهة عميقاً في أجساد ضحاياها ممتصة آخر قطرة من دمائهم، سالكة بذلك درب مصاصي الدماء، ولما عجزت الموارد المحلية عن إشباع رغباتها المتزايدة، ولم يكفها المكان الذي تقيم فيه، أرسلت مندوبيها إلى مختلف أعضاء الجسم ليقيموا مستعمراتهم الجديدة كدأب الغزاة المستعمرين عبر الزمن.

عرفت حقاً أننا لن نستطيع القضاء عليها ما لم نضحِّ بزميلاتها السليمات، فبنت خططها على ذلك.

هذه الخلية المتمردة التي دوّخت العلماء لمئات السنين هي الخلية السرطانية، التي عرفت حتى في عصور ما قبل التاريخ، فوجدت في هياكل بعض الديناصورات "آكلة اللحوم" المنقرضة, حيث تركت بصمتها على هياكلها العظمية المنخورة، رسالة تحد عابرة للعصور والأجناس، كما أنها وجدت في مومياوات الفراعنة: فهذه المومياء الشهيرة (M6) تحمل آثار الجريمة وترسل نداء استغاثة تشكو عجزها لعله يأتي من أبنائها المتأخرين من يأخذ بثأرها. وبقيت عبر العصور تفتك بالبشر والحيوانات بانتظار حل جذري لا يبدو قريب المنال رغم كل النجاحات التي تحققت في العقود الخمسة الماضية.

حيّرت الخلية السرطانية العلماء منذ فجر التاريخ فهذا أبقراط يداري عجزه حيالها، ويكتفي بملاحظة الشبه الخارجي بينها وبين "سرطان البحر""carcino " ليخلع عليها اسمه، ذلك الاسم الذي صمد الى يومنا هذا ومن بعد ابقراط, لم يبق عالم، ولا طبيب، ولا عشّاب، او حتى طارد أرواح إلا وحاول ان يدلي بدلوه دون فائدة.

أمِنت العقاب فتمادت، وراحت تمعن في أجساد ضحاياها تخريباً، وتدميراً، وتشويها بلا رادع ولا وازع لتترك بصمتها القاسية حيثما حلت .

استباحت هذه الأجساد المنهكة، وراحت تنتقي منها ما تريد، لم تحدها حدود، ولم تلق اعتباراً لعمر أو جنس أو عرق.

لقد أعماها جنونها عن إدراك أنها باستهلاكها ضحاياها, إنما تسدل الستارة على رحلتها المجنونة بفقدانها مصدر غذائها، لتعلن موتها بموت ضحيتها لتعود مجدداً الى سيطرة الجسد في حالة اتحاد سرمدي .

نعم لقد شهدت السنوات الماضية نجاحات باهرة للإنسان في حربه مع السرطان, ساهمت في شفاء الملايين من المرضى، وتخفيف آلام آخرين, لكننا - برأيي المتواضع - لانزال بحاجة الى حل جذري غير تقليدي, قد يكون بعيداً جداً عن حلولنا الحالية، حل يغير مسار الطب تماماً, كما غير اكتشاف المضادات الحيوية في القرن الماضي تاريخ البشرية، وإلى أن يأتي هذا الحل, ستبقى خاتمة رواية صراعنا مع هذا المرض مفتوحة على كل الاحتمالات، لكننا سنبقى محكومين بالأمل .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.