المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عاصم منصور  Headshot

ذهب الإنترنت وسرابه

تم النشر: تم التحديث:

لا يزال الإنترنت يبهرنا كل يوم بالجديد، ويطرح تغييرات جذرية تمس كافة مناحي حياتنا، وتنطوي على تحديات عميقة وفرص براقة وآمال عريضة، ومثالنا اليوم هو النقد الرقمي أو العملة الإلكترونية، أو الـ"بت كوينز"، ومنافسوها الذين تكاثروا إلى أن وصلوا إلى المئات من أنواع العملة الإلكترونية الكاملة، والتي يتم تداولها عبر الإنترنت فقط، من دون وجود فيزيائي لها أو سلطة تضبطها وتحدد سعرها، فالتعامل بها يتم بمعزل عن البنوك المركزية والنظام المصرفي.

رغم أن التجارة وتبادل السلع والخدمات وسلسلة التزويد كانت من أوائل المجالات التي اقتحمها الإنترنت وأعاد صياغتها وشكّل اقتصادها، ورفع بها أقواما وهوى بآخرين، فإن المحاولات في مجال النقد والعملة لم تحقق نجاحاً ملموساً حتى ظهور الـ"بت كوينز".

تعود بدايات الـ"بت كوينز" إلى ثماني سنوات خلت، ثم توسع بعدها من حيث القبول وقاعدة المتعاملين وكمية العملة الإلكترونية المكتشفة -يتم البحث عنها كما يتم البحث عن المعادن الثمينة ولكن من خلال أجهزة وبرامج الحاسوب- أما قيمتها فقد فاقت الذهب الأصفر الذي حاولت الفكرة الأساسية التي تأسست عليها العملة الافتراضية أن تحاكيه أو تنافسه بطريقة الإنترنت، حيث حاكت العملة الافتراضية المعدن الأصفر والمعادن الثمينة في محدودية العرض العالمي، والحفاظ على القيمة في مواجهة هشاشة السوق، إلى أن فاقت قيمة الوحدة الواحدة من العملة الإلكترونية القيمة السوقية لأونصة الذهب مع بداية العام الحالي.

لقد أربكت العملة الرقمية البنوك المركزية التي وجدت نفسها وقد أخذت على حين غرة، وأن هذا القادم قد يزعزع سيطرتها على النظام المصرفي، خاصة وهي ترى أن آلاف المتاجر قد قبلت التعامل بهذه العملة، ومن أمثلتها "وورد برس" و"أوفرستوك دوت كوم" ومايكروسوفت و"ريديت" وشركة السيارات "لامبورغيني" وغيرها حتى وصلت إلى محلات البيتزا.

بعض هذه البنوك سارعت إلى إغلاق الباب في وجه هذا القادم الجديد، وحذرت من التعامل بهذه العملة، مثل مؤسسة النقد العربي السعودي، والبنك المركزي الأردني والبنك المركزي المصري.

غير أن دولاً كثيرة أبقت الباب موارباً فلم تقر ولم تمنع التداول بها مثل الولايات المتحدة وروسيا واليابان وأستراليا وغيرها.

الجهات التي منعت هذه العملة تعللت بـ"أن الاستثمار بالعملات الافتراضية تكتنفه مخاطر عالية تتمثل في تذبذب قيمها بشكل كبير، إضافة إلى مخاطر الجرائم المالية، والقرصنة الإلكترونية، وخسارة قيمتها كاملة لعدم وجود أي جهة ضامنة لها أو أصل مقابل لها"، غير معترفة بأن العملة النادرة نفسها هي مخزن للقيمة وفق تصميم من أنشأها، ولكن هذا لم يمنع توسع انتشار هذه العملة في الدول العربية، أما عالمياً فتتحدث الأرقام بأن المتعاملين مع هذه العملة ربما ناهزوا الخمسة ملايين مستخدم.

من أحب هذه العملات أو اقتنع بها له أسبابه الوجيهة أيضاً، منها تجاوز الوسطاء مثل البنوك، والتعامل المباشر بين البائع والمشتري، وتوفير الخصوصية للبائع والمشتري من خلال إمكانيات التشفير التي توفرها البيئة الرقمية، واستخدامها كوسيلة للتحوط ضد انخفاض قيمة العملة المحلية السريع والتضخم النقدي كما حصل في فنزويلا واليونان؛ حيث أصبح من الشائع استخدام "البت كوين" كاحتياطي طبيعي في مواجهة العملات الورقية المتهاوية، والكثير استخدمها أداة استثمار ومضاربة، ومن المؤكد أن المغامرين والمقامرين والقراصنة أيضا وجدوا فيها ملجأ آمناً ووسيلة للبحث عن الكسب الكبير ونجح بعضهم في ذلك.

الرهان على مستقبل العملة الافتراضية بشكل عام يعكس تقديرات متباينة بشدة حول مستقبل هذه الظاهرة، فهناك مَن يراهن برأيه وماله على أن هذه الظاهرة ستغير أساسيات الاقتصاد العالمي، وآخرون يرون فيها فقاعة مجربة، وأن العالم لن يقبلها لأسباب منها استخدامها المتزايد في القرصنة والتجارة المحظورة وتمويل الإرهاب، وبين المنزلتين مَن يتنبأ بأن العملة الافتراضية ستستحوذ على حيز من النشاط الاقتصادي، وأنه سيتم تنظيمها والاعتراف بها كمنتج مالي في المعاملات المالية والمصرفية، وبالتالي ستخضع على نحو ما لقيود محلية وعالمية.

الطريف في صعود ظاهرة البت كوينز أنه حتى معارضي الفكرة من المصرفيين يقدرون التقنية التي بنيت عليها هذه الفكرة الثورية والمعروفة بالـ"Blockchain"، وقد بدأوا بتطبيقها خارج نطاق العملة الافتراضية، هذه التقنية شأنها شأن العملة الافتراضية غير مسجلة كبراءة اختراع أو حقوق ملكية لأي جهة مما يساعد على انتشارها وتطويرها.

ويظل الإنترنت يفاجئنا كل يوم بما يظهره وما يخفيه من إمكانيات تخرج إلينا لتغير مفاهيم وممارسات كنا نحسبها ثابتة، فمنها ما يذهب جفاء، ومنها ما يمكث في الأرض، فأي مصير ينتظر النقد الرقمي؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.