المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عاصم عقبي  Headshot

قرآناً هجرتُه

تم النشر: تم التحديث:

لا يُفارق حقيبتي، معي أينما كنت، يشدّ أزري، يُطمئن قلبي، يغلب وسوسة شيطاني، يداوي جروحي بكلماته الشافية، يربط على قلبي، يبهرني بمعجزاته، يُؤنسني في وحدتي، يثبّتني على ديني لأخذ مقعد في الفردوس، فأحببته، أحببت كتاباً.

هذا الكتاب أحببته عن غيره، هذا الكتاب ليس كسائر الكتب، هذا الكتاب معجزة على الأرض، كتاب لا ريب فيه، كتاب مبين من علَّامٍ حكيمٍ.

وما الحب إلا اهتمام؟ وكيف أهتم بكتاب؟ وماذا إن لم أوفّه حقه؟ الأمر سهل عندما يكون تجاه إنسان، لكن ليس لكتاب، كيف هو الاهتمام بكتاب، تزيّنه بغلاف لامعٍ وملصقات ملونة أم فهم معانيه وتدبّر سطوره؟

إن الخالق يخلق لغاية لا للمزاج والهوى، والمخلوق يحتاج لما يرشده ويُعْلِمه واجبه، يحتاج إلى كتالوغ يوضح له حقيقة حياته، وهو عبد، وما للعبد إلا طاعة ربه، وربه أمره بتدبر كلماته.

أخذت أقرأ فيه كل يوم، ويوماً بعد يوم زاد تعلّقي، وأنا الذي أبغض التعلق؛ لأن كل مَن على الأرض فانٍ، لكنه باقٍ، فحللت التعلق لنفسي حينما كان له، فيا حظّي أصبت التعلق.

وكما أحببته أحبني، وكلما صفيّت له نفسي أعطاني من نفحاته، وكلما يضيق صدري ألجأ له فأجده يرسل لي ما أحتاجه، ولا أحسبها صدفة فكل مرة يصيب اختيار الكلمات والعَبَرات، وكلما كررت آية أفهمها بشكل مختلف، كأن لها ألفاً من التفسير، وإذا أعددت هداياه لا أحصيها.

إن كان بشراً يعطيني ما يعطيه هو لكنت فديته عمري وجعلته وليّ أمري، لكنت لزمته في كل وقت أتبعه وهو يُسيرني، لكنت قتلت الحجج التي تمنعني لقاءه، إن كانت حججي أو حجج شيطاني.

لكنه ليس بشراً ليكون هذا من حقه، فهجرته، وهجره ليس كأي محبوب، فبعد الفراق يُنسى المفارَق من عقل المُفارِق، ويظل المفارَق في نحيبه حتى ينسى ما حلّ به.

أما حين هجرته كنت أنا المفارَق والمفارِق، أنا الخاسر في كل الأحوال، أنا الذي يُسوّد قلبه ويغرق في نحيبه حتى ينام، أنا الذي يشعر بالوحدة ويؤنَس بشيطانه، أنا الذي تتكون جبال الهموم كجبال الثلج على قلبه ولا يجد من يذيبها له.

ليس كل محبوب يقبل عودة تاركه، لكنّ الكتاب ليس مثلهم، إن هجرته أعواماً بل عقوداً وعدت إليه يفرح بعودتك، فهل تجد محبوباً كهذا؟! أضمن لك أنك لن تجد فلا تبحث.

لكنه كان غريباً حينما عدت، ليس هو الذي اعتدت أن أقرأه، لم أعد أفهم منه شيئاً، يقتلني الملل كلما أقرأه، نعم، هذا نفس شعوري في أول مرة أقرأ فيها هذا الكتاب، ماذا عن علاقتنا السابقة؟ هل سأعود من البداية؟!

ما شعرت به حينها كان كشعور الأخسرين أعمالاً، يوم يأتون يوم القيامة بحسنات لا تحصى، ولكن لا يُقبل عملهم، وكأن كل ما بنوه صار رماداً، هذا ما فعلته أنا حينما هجرته، لما عدّت له وجدت ما بنيته انهدم.

وهل ترى أنني لم أهجره مرة أخرى؟! بل إنني فعلت، لكنني عدت وسأعود كل مرة أهجره فيها؛ لأنه هو حياتي، وهو ما يبقى معي في مأزقي، سينير لي قبري وهو نور قلبي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.