المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عاصم عقبي  Headshot

أرى الفرق واضحاً

تم النشر: تم التحديث:

ما عانيت منه سابقاً أرى ثمراته الآن، ما أبكاني في طفولتي أسعدني الآن، ما حسبته عذاباً طمأنني الآن، ما أحببته أبغضه الآن، ما جعل الناس تشفق عليّ جعلني أشفق عليهم الآن، ما قيّدني بالسلاسل حرَّرني الآن.

أنا الطفل الذي ظنَّ نفسه مظلوماً وهو ظالم، من رأى نفسه لا يمتلك ما عند الآخرين فتمنَّاه، ويا ليته ما تمنَّاه، من رأى نفسه في سجن انفرادي، هو في زنزانة وطفولته في زنزانة أخرى، أي سجين أسمى أمانيه الهروب -وهذا كان حاله- وحينما يفر من سجنه يسعد بفعلته، لكنّ هذا لم يكن حاله.

الطفل يرى اللهو واللعب فوق كل ما حوله، يفضله على غيره وإن كان غيره بالأعظم، لا نستطيع أن نلومه على شيء، فهذا ما يفعله مَن في سِنه، وهذه هي قدراته، لا نستطيع أن نُحمّلَه همومنا التي لن يرى قيمتها إلا كنملة ويدهسها بقدمه كالفيل، وهذا ما يفعله بالألعاب في سلة لعبه، فهمّه هو اللعب، هكذا أنا فعلت، أردت اللعب لأعوام في اليوم الواحد.

وليس بطفل بدون ولي أمر، فلهذا يُسمى بالطفل، وإن غاب ما يرعاه وينظر في شأنه، أراه لم يعد طفلاً، الطفل يظل في سجن راعيه حتى يكبر، هو يحركه ويوجهه كما شاء، كأنه آلة يتحكم بها، فإن كان من أهل الخير، وجَّهه إلى طرق الخير، وإن كان غير ذلك، أضاعه معه في طرق أخرى رغماً عنه؛ لأنه مجرد طفل سلاحه البكاء، سلاحٌ رصاصه الماء.

كنت مُسيَّراً في طريق لا أريده، طريق يمنعني من اللعب مثل أصدقائي، إن لعبوا لساعة، أنا ألعب لنصف؛ لأن هذا كان أمر والديّ، وأيّ والِديْنِ هما! أيوضع لطفلٍ فترات محدودة للعب؟ هل لا يوجد في قاموسهما كلمة لعب؟

لم يقتصر الأمر على هذا فقط، لكن الأمر زاد سوءاً حينها، حينما أصبحا يحددان لي ما ألعب ومع مَن ألعب، فكنت في البيت كسائق سيارة، كلما أراد المرور، أخرج للشرطيّ رخصة القيادة لينظر في أمره، فإما أن يأذن له بالمرور أو يمنعه، أما أنا فكانت رخصتي هي توضيحي لما أنا ذاهب لفعله وأين سأفعله ومع مَن سأفعله، ومتى سأعود للبيت!!

لو علم والدي كمّ فرحتي عندما يأذن لي باللعب، لكان أذن لي كل مرةٍ متناسياً ما أراد أن يربّيني عليه، ولو علم كمّ حزني عندما يرفض، لكان أذن لي في كل مرةٍ متغاضياً عن مبادئه.

ما رأيت كل هذا حينها إلا تدخلاً في شؤوني وخصوصياتي، فلماذا أُسأل عما أفعله مع أصدقائي؟ أفعل ما أريد فأنا مَن يفعل ليس هما، ولماذا أُسأل عمن ألقاهم؟ ألتقي بمن أريد، فأنا من ألقاهم ليس هما.

العقاب هو ما منعني من أعصي أمرهما، فضلت أن ألعب لنصف ساعة على أن يُخصم من مصروف جيبي، فضلت أن ألعب بالقرب من البيت على أن لا أضرَب، وإن لم يكن العقاب قائماً لكنت عرفت البيت في النوم فقط.

رغم أني لا أتذكر من طفولتي الكثير، لكن هذا لم أنسَه أبداً، فمر الزمن عليّ بهذه الأحداث في ذهني، فكبرت وبدأت أنظر لها بنظرة مختلفة، بدأت أدرك أنني كنت مخطئاً حينما ظننت أن والديّ يظلماني ولا يعاملاني مثلما يعامل الوالدان أولادهما.

ولم تأتِ هذه المواقف لتشغل تفكيري بعد أعوام من حدوثها إلا لسبب جعلني أتذكرها، جاءت لما رأيت الفرق واضحاً بيني وبين أصدقائي الآخرين، أصدقاء كانت أيديهم مفكوكة من الأغلال، لم يبالِ أهلهم بهم، زرعوهم في الأرض، ولم يسقوهم بماء عذب، بل تركوا ماء المصارف ترويهم، مساكين!

عندما أرى هؤلاء الأصدقاء أفكر للحظات، ماذا لو كان والداي أباحا لي كل شيء مثلهم دون ضوابط؟ أكنت سأصبح مثلهم؟ أكنت أفعل ما يفعلونه (الذي يصعب عليّ ذكره) الآن؟ لا والله لا أريد.

كل سيئ تعلمته ممن منعني والداي من ملاقاتهم، أنا لم أنفذ أوامر والدي حرفياً، فلقد هربت من سجنهما لمراتٍ عديدة، معتقداً أنني أنتصر عليهما، لكنني كنت الخاسر، وإن كنت التزمت سجني، لكنت رأيت الفرق أوضح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.