المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يُحكى أنَّ "45" | ما جرى لنرمينا .. في مثل هذا اليوم

تم النشر: تم التحديث:

يحكى أن (45)
ما أن أعلِن عن تأسيس الكلية عام سبعة وسبعين من القرن الماضي، إلا وكانت نرمينا تدق أبوابها في يومها الأول من عامها الأول، طالبة وحيدة من بين عشرة من الطلاب الذكور، وظلت هكذا لأربع سنوات متتالية حتى أنهت دراستها، عندما زرت كليتها أول مرة عام تسعين، وجدت بوابة بسيطة تحشر نفسها حشرا في زقاق من أزقة سراييفو بمنطقة شهيرة معروفة باسم باش تشارشيا، وعليها ما يفيد بأنها كلية الدراسات الإسلامية.

لكنني لم ألتق نرمينا نفسها إلا عام ألفين وأحد عشر، عندما حكت لي حكايتها بأنها كانت تعمل بجد مع زملائها الطلاب طوال تلك السنوات الدراسية الأربع "حتى أن بعضنا كان يدرس في كليتين، فقد كنا ببساطة نرغب في التعلم والعمل بهدف خدمة ديننا"، وكأن الأمر لديهم قد تجاوز فكرة الدراسة الأكاديمية.

نرمينا كانت تلفت النظر إليها كلما مشت في شوارع سراييفو، فهي تكاد تكون الفتاة الوحيدة المحجبة في المدينة في ذلك الوقت، تذهب إلى الحلقات الدراسية في مسجد تاباك الشهير ، لتخرج منه إلى كتّاب المرحوم "الحاج موهانيمي"، أما في عطلة نهاية الأسبوع فإنها تولي اهتمامها لتعليم الصغار مبادئ الدين، وذلك لا يمنع من أن تشارك في تنظيم الرحلات والاحتفالات بمناسبة الموالد والأعياد، أما رمضان فهي تخصه بأنشطة متميزة تمتد بدون انقطاع من صلاة الظهر وحتى موعد الإفطار في مكانها المحبب بمسجد تاباك.

في ذلك الحين كان جوزيف تيتو يقضي أيامه الأخيرة مطمئنا إلى أن يوغسلافيا التي أسسها بعد تحريرها من الألمان عام خمسة وأربعين تحيا أزهى عصورها، بجمهورياتها الست بما فيها البوسنة والهرسك التي تعيش نرمينا في عاصمتها سراييفو. يختلف المسلمون حول عهد تيتو، بعضهم يعتبره كان رحيما بهم إذا ما قورن وضع المسلمين في الاتحاد اليوغسلافي بوضع أشقائهم في الاتحاد السوفيتي، وبعضهم يعتبر أن الرجل مثله مثل الآخرين سعى إلى إزالة الوجود الإسلامي من المنطقة.

نرمينا لم تكن تعبأ بهذا الجدال، وتحمد الله كثيرا على أنها عاشت عهدا عاد فيه إلى بلادها رجال تعلموا في الأزهر ليبثوا روح الإسلام من جديد، مثل الدكتور أحمد سمايلوفيتش والبروفيسور حسين جوزو.
قال لي حسن تشينغيتش يوما بعد انتهاء الحرب في البوسنة إنه كاد أن يصدر قرارا باعتقالي بصفته وزيرا للدفاع بعد أن شاهد على شاشة إم بي سي العربية تقريرا لي يظهر صورا من جبهات القتال لم يكن يرغب في عرضها. تشينغتش أعرفه منذ لقائي الأول بالرئيس علي عزت بيغوفيتش عام تسعين، ومنذ الأيام الأولى للحرب عندما كان ينظم المجموعات للدفاع عن سراييفو

لكن نرمينا تعرفت عليه قبلي بكثير كما تعرفت على آخرين مثله بحكم "الاهتمامات المشتركة كصوم رمضان والتردد علانية على المساجد" بحسب وصفها لي، وهي الأمور التي لم يكن ليفعلها إلا قلة قليلة في ذلك الوقت، وتتذكر جيدا كيف أن تشينغتش أعطاها نصاً مكتوباً على الآلة الكاتبة، لأنه لم تكن أجهزة الكومبيوتر قد ظهرت بعد.

"كانت تلك المرة الأولى التي أتعرف فيها على الراحل علي عزت بيغوفيتش ككاتب، لاحقاً حصلت على العديد من النصوص التي كانت تعمم بيننا نحن الطلاب والتي يمكن القول إننا تربينا عليها، ومنها ما كان يخطه المرحوم جوزو الذي يصر على تجديد الفهم للقرآن وإيجاد تفسير يتوائم مع العصر، فالزمن الذي عشناه كان يتطلب نوعًا جديدًا من التعاطي مع القرآن الكريم لكيلا يبقى أيقونة موضوعة على الرف تتجمع عليها الغبار ولا تلمسها يد، وإنما ليصبح شيئاً معاشاً في حياتنا اليومية".

تمر الأيام، يتوفى تيتو عام ثمانين، وبعد ذلك بعام واحد تنهي نرمينا دراستها الجامعية وتحصل على وظيفة كمدرسة في مدرسة الغازي خسرو بك للبنات التي تأسست عام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين. وبالمناسبة فإن خسرو بك هو أشهر أمراء البوسنة ويعد عهده هو العهد الذهبي لسراييفو، وقد حصل على لقب الغازي لشجاعته العسكرية وانتصاراته التي حققها على رأس الجيش العثماني.

سارت حياة نرمينا عادية إلى أن سمعت الأصدقاء والجيران وهم يتناقلون خبرا مفاده اعتقال مجموعة من الشباب الذين تعرفهم جيدا بتهم العمل على هدم الدولة والنظام، وقد سبب لها الأمر صدمة شديدة "فقد كنتُ شخصاً نما وترعرع في ذلك النظام، شخصاً التحق برابطة الأشبال في المدرسة الابتدائية ولاحقا برابطة الشباب، شخصاً حمل الشعلة وأدى التحية ووقف للنشيد الوطني في دولة كان فيها الرئيس تيتو يعتبر رمزاً".

لم يطل الأمر، فقد استدعى الأمن نرمينا إلى مديرية الشرطة، وذلك ضمن ما يُسمى بالمقابلات الاستعلامية ، حيث كان محققو وزارة الداخلية يطلبون منها أن تكتب كل ما تعرفه عن المتهمين خصوصا هؤلاء الثلاثة: حسن تشينغيتش وجمال الدين لاتيتش ومصطفى سباهيتش.

على مدى عشرة أيام كانت تذهب من الصباح حتى المساء، غير أن ما كتبته لم يقدم إجابات مرضية ما دفع رجال الأمن لاستجوابها شفهيا من خلال اقتطاع بعض أجزاء العبارات المكتوبة من السياق وتحويرها لتصبح أدلة اتهام.

مورس مع نرمينا نفس الطقوس الأمنية المعتادة، اعترفي بكل شيء ثم سنعفو عنك باعتبار أنه غُرر بك، وسوف نستخدم اعترافاتك لإدانة الآخرين. وكان الحوار معها يجري أيضا بالأسلوب التقليدي المعروف بأسلوب الشرطي الجيد والشرطي السيء، "كان يأتي أحدهم ويبدأ بالصراخ ويضرب الطاولة بقبضته ويهددني بأنني سأتعرض لكذا و كذا، ثم يأتي آخر ويطلب منه الهدوء وبعدها يتوجه إلي طالباً مني أن أخبرهم بكل شيء، لقد اتضح لي أن هؤلاء الناس لا يريدون سماع الحقيقة وإنما سماع ما يريدون سماعه".

ذات يوم افتُضِح أمر الفتاة أمام أهلها عندما تأخرت في مكتب التحقيقات إلى ما بعد منتصف الليل، ولم يكن من المعتاد أن تغيب اليوم كله دون أن تعلم أمها أين هي، وكان ذلك أصعب ما واجهته، وبالتوازي فقد بدأت تصلها أخبار عن متهمين انتهى بهم المطاف تحت وطأة التعذيب إلى المصحات النفسية.

انهارت نرمينا وقالت لهم "اكتبوا ما شئتم فلم أعد أهتم لأي شيء، وسأقوم بالتوقيع"، فأعد في الحال ملف من خمس صفحات ملئت بالتهم الفظيعة. وبذلك باتت صاحبتنا عملياً شاهد الاتهام الرئيسي ضد حسن تشينغيتش وباقي المجموعة.

في انتظار المحاكمة قضت نرمينا وقتا صعبا، فهي تلوم نفسها من ناحية، ومن ناحية أخرى تدرك تماما عاقبة انسحابها من الإدلاء بشهادتها ضد المتهمين، إلى أن جاء شهر أغسطس عام ثلاثة وثمانين، فقرر الأمن استدعاءها بشكل مكثف يوميا لتلقينها الشهادة التي نسبت إليها "وفي لحظة أدركت ما يجب علي فعله".

كان علي عزت بيغوفيتش يتصدر المشهد في قفص الاتهام، كما سيتصدر المشهد في البلاد كلها لاحقا، بعد أن يقضي سنوات سجنه الثمانية ليخرج رئيسا للبوسنة والهرسك وقد انفرط عقد الاتحاد اليوغسلافي كله، وراء علي كان يقف حسن وجمال ومصطفى وكافة المتهمين في المحاكمة التاريخية باعتبارهم متطرفين يسعون إلى أسلمة المسلمين.

في يوم خميس من أغسطس يدلي زميل نرمينا "سعاد سيليوباتس" -وهو رجل- بشهادته ضد المتهمين، لكن ضميره يدفعه إلى أن يسحبها. وقد فسر الأمن ذلك أمام الإعلام بأن الرجل تعرض لتهديدات من قبل عائلات المتهمين ما دفعه لسحب شهادته.

"لكنني صعقت يوم الجمعة في غرفة الشهود عندما رأيتُ سعاد محطما ومنهكا، لم ينظر إلي مطلقاً. صمتنا نحن الاثنين، فقد تعرض لتعذيب وحشي اضُّطر على أثره أن ينفي سحب شهادته التي تتهم المتهمين، ويؤكد على وقائعها".

الساعة الحادية عشرة، نرمينا ترتعد وهي تستعد للإدلاء بشهادتها، "كانت صلاة الجمعة تشكل لنا، إن جاز التعبير، شيئاً مقدساً، لقد رأيت في ذلك علامةً مميزةً وتولد لدي شعور بأنه، لا قدر الله، لو كذبتُ في المحكمة فإن المبنى سينهار عليَ وأنني لن أخرج على قيد الحياة، ليس بسبب أن أحدهم سيدبر لي شيئاً ما ولكن ببساطة سيصلني العقاب الإلهي".

المحاكمة الهزلية منعقدة ، والقضاء شامخ ، والمتهمون يجلسون منكسرين، وحده علي يرفع رأسه أسدا في محبسه، وكأن كتاباته تمر أمام عينيها، تقدمت لتدلي بشهادتها، سألتْ : "سيادة القاضي إذا ذكرتُ الحقيقة كاملة فهل ستقوم المحكمة بحمايتي؟" تذكر القاضي كذبة أن سعاد الشاهد السابق قد تعرض لتعدي من ذوي المتهمين، لذلك سارع بالإجابة: "بالتأكيد سنقوم بحمايتك".

نرمينا كانت تدرك أن عقوبة شهادة الزور هي السجن خمس سنوات، وشهادة الزور هنا هي أن تقول ما لا يرغب الأمن والسلطات في أن تقوله حتى وإن كان حقيقة ، إلا أن نرمينا أجابت سريعا على القاضي الذي كان يمسك بمحضر أقوالها بيديه "إن كان الأمر هكذا وأنكم ستحمونني، فإنني أبلغكم أن ما تحملوه بأيديكم، وما هو مكتوب إنما هو محض كذب ولا يمت للحقيقة بأي صلة، وإن ذلك منسوب لي زوراً وتم توقيعه باسمي وهو يجافي الحقيقة بالمطلق".

ساد صمت رهيب، ورد القاضي المصدوم بعد برهة: "مكتوب هنا أنكم أعلنتم..."، قاطعته: "أنا أعرف بالضبط ما هو مكتوب، لقد قضيت الأيام الخمسة الأخيرة في دراسة وحفظ ما هو مكتوب عن ظهر قلب، لكنني أؤكد لكم أن كل ذلك كذب".

"أعتقد أنه في تلك اللحظة لم يعد أحد يعرف ماذا يفعل، كان ذلك تحولًا دراماتيكياً على شاكلة كتابات كافكا، وهو ما لم يتوقعه الحضور، لا الشرطة ولا أتباعها وعلى الأخص أولئك الأشخاص الذين تتم محاكمتهم".

"شعرت تلك اللحظة وكأنني ولدت من جديد، لقد أزيحت فيها من على كاهلي كافة الأعباء، أعرف ما قلته للقاضي وهو بدوره حذرني. أفضل عندي أن أقضي خمس سنوات في السجن بتهمة شهادة الزور على أن أعيش مع شعور بأنني قلت ما هو ليس صحيحاً ، كنت جاهزة تماما لأنتقل من مكاني كشاهدة إلى أن أجلس بين المتهمين، الذين هم إما أصدقائي أو أساتذتي أو أناس يشاركونني نفس الاهتمامات".

دخلتُ بناية المحكمة التي أدلت نرمينيا فيها بالشهادة ضمن وقائع تصوير فيلم عن الزعيم الراحل علي عزت بيغوفيتش، كل شيء تغير تماما عما كانت تحمله الصور الأرشيفية لأيام المحاكمة، جال بصري هنا وهناك، حيث كان يقف علي، وحيث كان يجلس حسن، وحيث كان القاضي يحكم، وحيث كانت نرمينا تدلي بشهادتها. نعم كل شيء قد تغير، أما شهادة الزور فهي دائمًا ملجأ لرجال الأمن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.