المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يُحكى أنَّ | إنه المكتوب!

تم النشر: تم التحديث:

لا أعرف لماذا تذكرت هذه الحادثة عندما استيقظت في الصباح، صاحبنا قرر ألا يخرج من بيته مهما كان الثمن حتى تنتهي الحرب التي اندلعت لتوِّها في سراييفو، ولو مات في سبيل ذلك جوعاً، لقد روَّعته مشاهد القتلى والجرحى على شاشة التليفزيون، وبالفعل بقي حبيس البيت ثلاثة شهور كاملة، عانى فيها ما عانى في ظل انقطاع إمدادات الكهرباء والماء والتدفئة، إلى أن استسلم وقرر الخروج، وما أن غادر باب بيته حتى أصابته رصاصة قناص فسقط قتيلاً في الحال، وكأن الموت كان يختبئ فعلاً له.

شخصياً وما أن أعلن عن انتهاء الحرب حتى صعدت إلى واحدة من تلك البنايات العالية المطلة على شارع "زمايا أود بوسنة"، ويعني تنين من البوسنة، الذي يعد الشريان الرئيسي للعاصمة سراييفو، وقد عرف وقت الحرب باسم شارع الموت لكثرة ضحاياه، كنت شغوفاً أن أعرف كم كنت أبعد عن رصاصات القناصة عندما كنت أمرّ من هذا الشارع كل يوم مرة أو مرتين للذهاب إلى بناية التلفزيون بحكم عملي لتأمين إرسال التقارير التي أعدها عبر الأقمار الصناعية، خصوصاً أنه في ذلك الوقت من عام 1992 لم تكن الأمور التقنية سهلة كما هي الآن.

كنا نقطع هذا الطريق بسرعة شديدة حتى نتجنب رصاصات القناصة، فأجلس في السيارة ناظراً إلى الأمام، وليس إلى الجهة المحتمل إطلاق الرصاص منها، وكأني أريد أن أتجنب مشهد قاتلي، وأظل أطمئن نفسي بأنني بعيد إلى حد ما رغم معرفتي بحقيقة أن القناص اليوغوسلافي كان يعد من الأبرع على مستوى العالم، مطمئناً أن سرعة السيارة ستفوت على القناص فرصته.

في إحدى المرات اضطرب زميلي الذي كان يقود السيارة فصدم سيارة أخرى أمامنا كانت تناور بدورها لتجنب الرصاص، ويقودها إعلاميان يابانيان، وقلت هذه هي النهاية، لقمة سائغة جاهزة أمام الأخ القناص، لكن الحادثة وقعت -ويا لطف الله- في زاوية من الشارع يصعب عليه فيها اصطياد ضحاياه.

عندما صعدت إلى الطابق العلوي، ودخلت إلى الشقة التي كان يتحصن فيها القناصة، ونظرت من شرفتها إلى الشارع الذي كنا نمر منه أصابتني الدهشة، إن كل شيء واضح وسهل، وإذا رميت بحجر فربما تصيب به الهدف، فكيف نجوت من رصاصهم، لقد تملكني رعب ربما لم يتملكني أيام الحرب، رعب بأثر رجعي، ولم تكن هناك من إجابة، غير أنه قدر الله الذي لا نعلمه.

أول خط قتال زُرته في هذه الحرب كان في منطقة جبال إيجمان، أضحك على نفسي عندما أتذكر الواقعة، كنت فرحاً كطفل اصطحبه أبواه إلى رحلة كان يتمناها، لقد قطعت مسافة طويلة حتى أصل إلى هنا، هنا بوسعي أن أقول بتُّ على خط القتال، كنت سأشعر بالعار إن لم أفعل ذلك.

في هذه المنطقة بالذات كانت القوات الصربية تتمركز أسفل الجبل، وقوات المسلمين في قمته، ما أن تنظر من عل حتى ترى الصرب أسفل منك مباشرة، كأنك داخل بناية سكنية تطل من أعلاها على أسفلها، سألت: لماذا لا تقومون بقصفهم وتنتهون، إنهم في وضع ضعيف؟ قالوا: نحن في موقف أضعف، فليس لدينا أسلحة أو ذخائر كافية إذا خضنا المعركة، الصرب كانوا يعرفون ذلك، ولذلك شاهدت جنودهم في حالة استرخاء تام، يتحركون أسفل منا براحة شديدة.

أدرت رأسي يمنة ويسرة، ثم أخرجت كاميرتي الفوتوغرافية، لمعت عدستي في عيونهم، يبدو أنهم حسبوها بندقية قناص، أطلقوا الرصاص في اتجاهي، في نفس اللحظة التي كنت أنا أنسحب فيها إلى الوراء، زغردت الرصاصة، هلل كل مَن حولي، في الحقيقة لم أفهم في البداية ما جرى، فهذه أول حرب أعيشها كصحفي، ولا خبرة عسكرية لي، خصوصاً أنني لم ألتحق بالتجنيد، يا إلهي هكذا في لحظة يمكن أن تفقد حياتك، رغم كل هذا الهدوء.

إننا نسير في الحياة بكل كِبر مدعين معرفتنا وإحاطتنا بالأمور، فيما نحن لا ندرك ما تخبئه لنا اللحظة المقبلة، يقول العامة إنها المقادير، ويكرر باولو كويلو في خيميائيه نفس المعنى، إنه المكتوب.

المكتوب هو الذي جمعني في قطار متجه إلى العاصمة البولندية وارسو مع رجل بوسني؛ ليحدثني عما يجري في بلاده، فيثير دهشتي وشغفي، وأسافر إلى هناك فيستقبلني هو وصديق له، أكرر الزيارة فيصحبني ثالث في جولة واكبت أول انتخابات برلمانية حرة.

حينها سألني أحدهم سؤاله الشهير: "هل يعلم قومك أننا هنا؟ هل يعلم العرب أن في هذا الجزء من أوروبا المسمى البوسنة والهرسك مسلمين عانوا ما عانوا ويتوقعون الحرب؟"، كانوا يبحثون عمن يسلط عليهم الضوء، ولو من شمعة، ولو من صحفي مغمور مثلي.

تدور الأيام وتصبح بلادهم بآلامها ملء أسماع العالم وبصره، ويصبح اثنان منهما سفيرَين لبلادهما، والثالث رئيساً للجمهورية، إنه المكتوب الذي لا تدركه الأبصار.

لاحقاً أيضاً سمعت من غيرهم قصة أخرى: بعد اعتقالي عام 1983، وخلال التحقيقات التي كانت تجريها وكالة الأمن القومي في السجن المركزي، سألني المحقق: أنتم تتظاهرون بالحديث عن الدين لكننا نعرف أنكم تخططون لتشكيل حكومة بوسنية يرأسها "علي" ويكون "عمر" المجلس التنفيذي وأنت كمهندس يمكنك شغل منصب وزير الطاقة، فمتى شكَّلتم تلك الحكومة البوسنية؟

واصل أدهم بيتشاكتشيتش حديثه قائلاً: لقد استغربت الأمر تماماً، فنحن لم نتطرق من قريب أو بعيد إلى هذا الأمر، وعندما زُجّ بنا في السجن، وعندما كانت الظروف تسمح لنا بأن نلتقي كنا دوماً نتذكر هذه الحادثة وتنتابنا موجة من الضحك مما وصلت إليه تخيلات وكالة الأمن القومي في ذلك الوقت.

علي عزت بيغوفيتش نفسه قال لأخته خيرية عندما اعتقل للمرة الثالثة، كما ذكرت لي في لقاء جمعنا، إنه وقد قارب الستين، ومحكوم عليه بأربعة عشر عاماً من السجن فلا أمل في الخروج حياً، بل وبحسب رفاق له، أنه كان عصبياً في أول فترة اعتقاله، معتبراً أنه تمت الحيلولة بينه وبين أن ينجز مشروعه، وأن الوقت في المعتقل يذهب هدراً، بعد أن حوكم عملياً مدى الحياة.

لكن الحياة لم تشأ أن تمضي دونه، فقد سقط كل من حاكموه ورفاقه، وأفرج عنه، وأسس حزباً، وخاض انتخابات كان يأمل خلالها بالفوز بمقعدين في البرلمان يعبّران عن توجهات هذا التيار من المسلمين في البوسنة، لكنه نجح بأغلبية، هو ورفاقه أنفسهم لم يفهموها، وأصبح رئيساً للجمهورية، وأصبح أدهم رئيساً للوزراء، وشكَّل حكومته، وتحققت ادعاءات رجال الأمن القومي، وذلك كله في وقت وجيز؛ لأنه المكتوب.

تكمن المشكلة في أننا لا نعرف سر المكتوب، نجهله؛ لذلك نكون شديدي العصبية، فائقي التوتر، ففي لحظة نشعر أن الدنيا قد انتهت، وفي أخرى نشعر أن الدنيا فتحت علينا، والحقيقة لا أحد يعلم ماذا تحمل اللحظة التالية، وهو ما يحتم علينا أن نسير وراء خُططنا الخاصة، نحفر الأرض ولو بإبرة ونمضي.

تقول الحكمة عليك أن ترضى بما كُتب لك، لكن الرضا بالمكتوب غير الاستسلام له، ربما حدثتكم عن هذه الحكاية من قبل، لكن لا بأس في تكرارها.

تلقيت اتصالاً من شخص قال إنه في زيارة إلى قناة الجزيرة في الدوحة، وقد حصل أخيراً على هاتفي، وإنه لا يريد سوى التعبير عن تقديره لما أعمل، وأخذ يعدد أكثر الحلقات التي أثرت فيه، شكرته، قال إنه سيأتي إلى دبي قريباً ويريد أن يزورني، بالطبع رحَّبت به.

بعد أيام تتصل بي، ووصفت له العنوان، ووصل، وأدخله الزملاء إلى غرفتي، المفاجأة أدهشتني، الرجل ضرير، فهل كان يحتال عليَّ بذكره الحلقات التي أعجبته، والمشاهد التي أثرت فيه، جلس وحكى لي الحكاية:

"لقد رضيت تماماً بما كُتب لي، غير أني رفضت الاستسلام له، قررت أن أتواصل مع العالم من حولي بكل السبل الممكنة، عرفت أن هناك أجهزة تقنية متعددة تمكن الضرير من القراءة والكتابة والتواصل مع المحيط، كان صعباً تعلمها، لكني نجحت في ذلك، ومضيت في حياتي معتمداً عليها".

مرت سنوات قبل أن ألتقي عمر عبد العزيز في إسطنبول، قال لي إنه سمع عن عمليات لإعادة البصر، لكنه يخشى ألا يعرف كيف يتعامل مع المجتمع بعد أن يراه على حقيقته، "لقد بنيت قواعد معينة معه، وأخشى التغيير"، وأضاف مازحاً: ماذا سأفعل عندما أرى الحسان اللائي يتحدث عنهن المبصرون؟!

سراييفو فعلت الأمر ذاته، فقد كانت كل التقديرات تشير إلى أن العاصمة البوسنيّة المحاصرة ليس بوسعها الصمود أكثر من شهر، وعندما طُرحت فكرة حفر نفق يكسر به المسلمون الحصار المفروض عليهم، ويدخلون عبره إلى المدينة المؤن الغذائية والأسلحة رفضت بعض القيادات ذلك، وقالت إنه جهد لا طائل منه، المدينة ستقع، لا فائدة، وآخرون رفضوا الاستسلام لما يعتقد أنه مكتوب، وقرروا المضي في حفر النفق، وتم الأمر فعلاً وكأنه معجزة، وعاشت المدينة سنوات الحرب حيَّة بفضله.

لا تهدر لحظة من حياتك، أعمِل عقلك في كل ما تراه ويدور حولك، قدَّر المكتوب أن أدخل إلى قسم المصابين بالمرض الخبيث في أحد المستشفيات اللندنية لزيارة مريض، وأن أتردد عليه لمدة طويلة، وأن أشاهد المرضى من أعمار وثقافات مختلفة، بعضهم كان عائداً لفحص سنوي بعد أن هزم مرضه، ما كان لي أن أضيع الفرصة، كنت أراقب الجميع، وكانت النتيجة مذهلة.

كم من مصاب بالمرض الخبيث أصابته الغمة، والتزم الفراش، واستقبل الزائرين والمواسين، أمطروه بنظرات العطف والشفقة؛ ليموت بالحسرة قبل أن يموت بالمرض، وكم من مريض به رفض الاستسلام لما هو مكتوب، وراح يعيد تشكيل حياته اليومية وفق ما فرضته ورغم كل آلامه، فعاش ما عاش ليرحل كما سنرحل جميعاً، وفي الحكمة أن كل الذين قاوموا ربما أثخنتهم الجروح، لكنهم عاشوا، وكل الذين استسلموا ماتوا، وإن ظلوا أحياء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.