المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يحكى أن: أيام القرم

تم النشر: تم التحديث:

المشهدان في المنتجع الأوكراني المطل على البحر الأسود متناقضان تماماً، ناس عنوانهم الشباب وقبلتهم البحر، وناس فاتهم الزمان، وسكنوا أطراف القرى وسفوح الجبال، تركت الأولين وذهبت للآخرين، سألتهم عما جرى، صمتوا، تحججوا بالذاكرة التي وهنت، وعندما حاولوا فشل أي منهم في أن يحكي الحكاية كاملة، مشهد أو مشهدان، ثم يمضي الحاكي عميقاً.

"دارنا ما زالت كما كانت هنا، لكن سكنها الآخرون، عندما عدنا من مهجرنا وجدنا الحال هكذا، فلجأنا إلى أطراف المدن، هنا كانت لنا حياة قديمة، وباتت لنا الآن حياة جديدة، وما بينهما كان الممات، تخيل أنك جالس في بيتك، ثم فجأة يطرقون بابك ويبلغونك بالقرار، أنتم خونة وعقوبتكم الإبعاد، كنا في حاجة إلى زمن حتى نفهم، لكنهم لم يسمحوا لنا إلا بحوالي ربع الساعة لنلملم أشلاءنا، كيف يمكن لحكم أن يصدر دون دفاع، كيف لثورة ترفع شعارات الحرية والمساواة والعدل أن تقر مبدأ العقاب الجماعي لشعب بأكمله".

عندما توجهت إلى القرم للقاء تتارها، اختلط الأمر علي في البداية، إلى أن عرفت أنهم غير تتار الفولغا، هم نفس العرق، ولكن لهم تاريخ مختلف، والمؤكد أنهم سكان شبه جزيرة القرم الأصليون، وأن القرم تعني بلغتهم القلعة، وأن الجغرافيا تشهد لشبه الجزيرة بأهمية موقعها الجغرافي المتميز المطل على البحر الأسود.

وأن التاريخ يذكر بكل خير دولة تتار القرم القوية، وأن الزمن تغير وتمكنت الإمبراطورية الروسية عام 1783 من السيطرة عليها بعد حروب طويلة مع العثمانيين الذين كانت شبه الجزيرة تخضع لهم، وانتقل العديد من أبناء الإمبراطورية الروسية للعيش هناك.

والتاريخ نفسه يذكر أيضاً أن في الثامن عشر من مايو عام 1944 اتهم ستالين أهل القرم بالخيانة والتعاون مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، وقرر تهجيرهم بالكامل إلى سيبيريا وآسيا الوسطى، وحمل الناس في عربات القطارات المخصصة لنقل الحيوانات والبضائع، تسير لشهر متصل ليل نهار، لا تتوقف إلا طلباً لوقود.

يكمل محدثي "تكدسنا مثل الشاة في عربات قطار صدئة، كدنا نختنق، البعض يمسك بالبعض، والكل في دهشة، الصغار والعجائز والمرضى كانوا أول الضحايا، أسوأ أنواع المصائب تلك التي لا تفهمها، صرير باب القطار وهم يغلقونه علينا مشابه لصوت باب المقبرة عندما يغلق عليك، نعم لم أمت من قبل حتى أجرّب، لكن مت فعلاً في هذه الرحلة".

"حوالي أربعة أسابيع في هذا القطار اللعين، تكفي لاستحضار التاريخ، كم بذل القياصرة الروس من جهد لاحتلال القرم، حتى نجحت الإمبراطورة كاترين الثانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في هزيمة العثمانيين، لتبدأ سياسة إبادتنا وإبعادنا، حتى تناقص عددنا من حوالي ستة ملايين نسمة في زمانها، إلى أقل من ثلاثة مئة ألف نسمة حين اندلعت الثورة البلشفية".

"أنت تلح علينا في الحديث وقد هرمنا، تلاشت تفاصيل الجريمة واستقرت آلامها، حين كان يموت أحد منا في قطار الموت، كانوا يفتحون الأبواب ويرمون جثته على الطريق، أو في أي ممر مائي كنا نمر فوقه، دون أن تدفن ودون أن يتوقف القطار، لقد شردنا ستالين في الحياة وفي الممات".

"ذلك الديكتاتور الذي اتهمنا بالخيانة إبان الحرب العالمية الثانية، حين اكتسح الألمان ديارنا في شبه جزيرة القرم، نسي أن قليلاً منا ربما انضموا بالفعل إلى خصومه أملاً في الخلاص من الشيوعية، لكن أعداداً كبيرة جداً منا انخرطت في صفوف جيشه، وبعد أن انتصر أداننا جميعاً وقرر تهجيرنا".

"أصابنا الجوع وعطشنا ومرضنا، شباباً وشيوخاً ومعاقين وصغاراً وأطفالاً رضعاً، ترفع رأسك إلى السماء فلا تجد إلا سقفاً صدئاً، وبعضاً من الذكريات تطير إلى بخش سرايا، تلك التي كانت يوماً عاصمتنا نحن تتار القرم، بيت الوالي وديوانه ومسجده، النقوش والأزهار والحدائق والماء المنساب، وحضارة مشعة، ودولة عظيمة وصل جيشها إلى أسوار موسكو".

"نصل نحن إلى المهجر، متسخين، جلدونا مشققة، ومعداتنا خاوية، أسكنوا كل عائلة في ركن من حظيرة للخيول، العذاب أنواعٌ أشدها شتاء حين تنخفض درجة الحرارة إلى ثلاثين درجة تحت الصفر، لا طعام ولا عمل، إلا من سيق إلى مزارع القطن، والباقون يبحثون عن قوت يومهم بين القمامة، ثم يعودون بها إلى الحظيرة على نار الحطب يحاولون أن يعيدوا لها شيئاً من سماتها، ثم يلتهمونها كي لا يموتوا جوعاً، لكن منا من مات برداً أو مرضاً، ثم توفي كبار السن ولم يعد بين الأحياء من يجيد قراءة الفاتحة على أرواح موتانا".

كل حكاياتهم شوق وشجن، أنظر إلى اللوحة، وجوه باكية تطل من كل مكان، قال لي الرسام إنني أعمل بها منذ خمسة عشر عاماً مع لوحاتي الأخرى التي تراها، ولدت في المهجر، ولم أجد وثيقة مصورة عن جريمة الإبعاد، فلجأت إلى حكايات الناس، ومنها أطلقت لريشتي أن تتصور ما جرى وتنقشه كما ترى رسوماً توثق لهذه الجريمة، أطلقت على لوحاتي اسم "كي لا ننسى".

في عام 1954 أهدى الزعيم السوفيتي الأوكراني الأصل نيكتا خروتشوف القرم إلى موطنه الأصلي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبحت القرم جزءاً من أوكرانيا المستقلة التي منحت الإقليم حكماً ذاتياً، وبدأ أهلها يعودون من منفاهم، ولذلك سافرت أنا إليهم في أغسطس من عام ألفين وخمسة لأسمع حكاياتهم.

واحدة منهم كدت أن أتحدث معها بالعربية، أشعرتني أنني أعرفها جيداً، نفس ملامح الجدة المصرية العجوز الطيبة، قالت لي سأخبرك شيئاً، حين قاموا بترحلينا لم نتمكن من جلب أشيائنا الخاصة، لكن بعضنا نجح في أن يأتي بصكوك البيت، والأهم المصحف الشريف، اصطحبته معي هناك أكثر من ستين عاماً وهآنذا أعود به.

قال شاب من الحضور كان أبي يكرر دوماً "عائدون عائدون"، كان يصلي من أجل ذلك ليل نهار، توفي في شهر رمضان، وعدت أنا، ألتفت مرة أخرى إلى الرسام وقلت له رائعة لوحاتك يا فنان، لقد عبرت بعناية فائقة عما تعرض له شعبك، ولنفس السبب أنا هنا، لتوثيق ما يراد له النسيان.

في دكانة صغيرة مظلمة، كان يجلس عجوز يحفر وينقش الحلي، "كان عمري ستة عشر عاماً حين وقعت الواقعة عام 1944، وعندما عدت مؤخراً ذهبت إلى متحف قصر الخان لأرى بعض الأعمال القديمة من المسبوكات التي تحفظ تراثنا، الحلي التتارية فريدة من نوعها، ولعل لديكم في مصر مثلها، وأنا أريد الحفاظ على ذلك من أجل إعادة إحيائها، يجب ألا تغيب تقاليدنا، ما أقوم به في هذا المكان الفقير ليس سوى التوثيق لتاريخ قومي حتى لا يندثر، أدرك في عيني سؤالي، قال حين تفكر في وطنك وفي دورك فإن من العبث أن تضيع وقتك بحثاً عن عمل كبير ضخم، يمكن أن يغير العالم، افعل مثلي ما تستطيع فعله، الآن وحالاً، فكل كبير يبدأ بصغير.

أنهيت عملي، فيلم وثائقي عن مأساة تتار القرم، اختتمت فيه حكايتي هكذا: "اليوم الأخير لي في القرم كان يوماً جميلاً، غير أنني سرحت بعيداً عن القرم وأهله، رحت أفكر في آخرين أحبهم، وددت لو رحت إليهم في مخيماتهم، وقلت لهم واحداً واحداً سوف تعودون، والله كما عاد هؤلاء ستعودون، لا تضيعوا المفاتيح ولا الصكوك، صحيح قد يطول زمن الطغاة، لكنهم دوماً يسقطون، اسألوا أهل القرم، هم يعرفون أنكم مثلهم لن تنتهي حكايتكم إلا عندما تعودون".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.