المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يحكى أنّ| مكتوب إلى فاطيمة

تم النشر: تم التحديث:

عزيزتي: ما زلتِ في ذاكرتي حتى اللحظة، تُرى هل أنا في ذاكرتك؟

لا أعلم لماذا علقت صورتك بذهني منذ أن رأيتك؟ التقيت كثيرين في مثل عمرك وفي مثل حالك، لكن بقيت أنت وقصتك في مخيلتي، ربما لأنكِ لم تولي اهتماماً يوليه مَن هم في مثل عمرك لهذا الصحفي الأجنبي ولهذه الكاميرا التي تسجل زيارتك، كنتِ صادقة جداً في مشاعرك، حتى إن ردود فعل الناس على تقريري الذي أنجزته عنكِ كان مذهلاً، رغم أنه كان تقريراً عادياً، وكنت أسأل نفسي تُرى هل وصلهم الشعور نفسه الذي وصلني منك؟

ذهبتِ ونحن وراءك إلى والدك، تسرعين الخطى كما لو أن الشوق أدمى قلبك، تربتين على التراب، ربما كما كان يربت عليك، تنقين من فوقه الحشائش التي نبتت سريعاً، تماماً كما كنتِ تزيلين من على ملابسه ما علق بها حين كان يحتضنك، كان وجهك مكفهراً وجاداً كما لو أن صاحبته ذات عقود وليس عقداً واحداً، قرأتِ الفاتحة، جذبتك والدتك لترحلي، رفضت في غضب، تريدين البقاء في حضرة الوالد، تتألمين وتستزيدين من الشرف الذي ناله وهو يموت مدافعاً عن وطنه حتى لا تكوني ضمن السبايا اللاتي اغتصبوهن فلم يرحموا عجوزاً ولا طفلة..

عزيزتي فاطيمة.. أفهم أن لكل حرب دوافعها وأطرافها وظالميها ومظلوميها، لكن ما شأن الأطفال بذلك؟ ما شأنكم أنتم؟ لم يستشِركم أحد في شأن القضية التي أثارت الحرب، ولم يسألكم أحد، وإذا حدث فليس بوسعكم الإجابة، ولا في قدرتكم، ولذلك كان أمركم يشغل بالي، وكان هو أكثر ما أثارني طوال سنوات الحرب، خصوصاً تلك الجريمة المسكوت عنها، فلما انتهت الحرب عام ستة وتسعين عدت بعدها بعام لأعد تقريراً عن الثمن الذي دفعه أطفال سراييفو لقاء الحرب، بحثت عنك كثيراً لكني لم أجدك.

اخترت أن أبدأ تقريري بمشهد مجموعة منكم تغني لسراييفو في مكتبتها الوطنية، كان شكل الدمار حولهم مخيفاً، لقد أحرق الصرب المكتبة كما تعلمين بأكملها وكانت من أول أهدافهم التي قصفوها، فاشتعلت النيران في المبنى العتيق الذي هو بمثابة جبل للمعرفة، ولولا بعض المخلصين الذين نجحوا في تهريب أغلب كنوز المكتبة وإخفائها لكانت سراييفو اليوم بلا ماضٍ، وبلا تاريخ، وبلا أكثر من مليونَي كتاب ومخطوطة في مختلف مصادر الثقافة والمعرفة، لقد توقع هؤلاء المخلصون ما سيفعله الصرب، إنه التاريخ يا عزيزتي الذي قرأوه في المكتبة ذاتها.

غنى الأطفال لسراييفو، وهم الذين جُرح منهم خلال الحرب حوالي خمسة وأربعين ألف طفل، بعضهم بات مقعداً، وبعضهم أُجريت له العمليات الجراحية دون تخدير، فيما قُتل ألفان من أطفال هذه المدينة وحدها.

الأرقام التي حدثني عنها أصحاب الشأن يا فاطيمة مرعبة، فقد أُجري استقصاء على خمسة آلاف طفل، حوالي تسعين بالمائة منكم عاشوا لستة شهور في المخابئ، وحوالي نصف عددكم شهد واقعة مقتل شخص أمام عينيه، وما يقرب من أربعين بالمائة منكم فقدوا واحداً من أقربائهم، وما يزيد على ثمانين بالمائة اعتقدوا جازمين أنهم سيموتون لا محالة.

شخصياً ما زلتُ أذكر رغم ضعف ذاكرتي كل شيء، كنت أشاهدكم وأنتم تحملون بقدر أوزانكم أوعية فتقفون في صفوف طويلة عند مضخة هنا أو هناك لتملأوها بالماء الذي قطعت إمداداته الميليشيات الصربية عن مدينتكم، وآخرون يشاركون عائلاتهم قطع الحطب من الغابات ومن أشجار الشوارع للتدفئة في طقس تصل درجة حرارته شتاءً إلى عشرين درجة تحت الصفر.

كانت أياماً قاسية، أذكر تلك الممرضة في مستشفى كوسوفو وهي تحدثني بألم عن الأطفال المصابين الذين تجمدت أطرافهم وهم في المستشفى جراء البرد الشديد وانقطاع التدفئة وتحطيم النوافذ الزجاجية، وكيف كانت تجد صعوبة في إدخال الإبر إلى أطرافهم لعلاجهم.

فكرت يا فاطيمة أن الشيطان تم الاستغناء عن أعماله عند هؤلاء القوم في تلك الأيام، وإلا من ذا الذي يخطر على باله أن يقيد طفلاً بالحبال ويدير وجهه بالقوة في اتجاه أمه ليراها وهي تغتصَب، أما الأب فيتمرد فيقتل في الحال، هل تعتقدين أن الشيطان بنفسه قادر على أن يوسوس لبشر بمثل هذا الفعل؟

لكن ما لي ما زلت أخاطبك وكأنك ما زلت طفلة، لقد مرت عشرون سنة أو يزيد، ترى أين أنت الآن؟ هل تزوجت؟ هل بات لديك أطفال تحكين لهم عما جرى لك ولرفاقك عندما كنت مثلهم صغيرة؟ أو ربما تحدثينهم عن تلك الجريمة المسكوت عنها.

لو أسهبت في الحديث إليك ما سكتّ، لكن وسط ذلك كله ما زلت أذكر يا فاطيمة تلك البهجة التي حظى بها بعضكم يوماً تحت الحراسة المشددة، في ذلك الزمن من الحرب كان كل ما تفكر فيه الهيئات الإغاثية هي مدكم بأكياس الطحين أو بالإسعافات الأولية، لكن بعضهم فكر في أنكم بحاجة إلى البهجة قدر حاجتكم إلى الطعام والدفء، هيئة إيطالية قررت أن تأتي إلى سراييفو، تنسق مع السلطات، وتستأجر حافلات تؤمّن لها الوقود المحرومة منه المدينة بأسعار خيالية، ثم تمر على بعض الشوارع والأحياء، تجمع الأطفال بالتنسيق مع أهاليهم، ثم تدفع بهم إلى أكثر البنايات أماناً في سراييفو، ثم يبدأ الاحتفال، لعب وهدايا وموسيقى وغناء، وفريق من المهرجين المتطوعين يأتي من إيطاليا حتى يلامس الفرح قلوبكم المحرومة، كنتم في ذهول، لقد نسيتم تماماً عالم البهجة واعتقدتم أن الكبار سلبوكم إياه إلى الأبد.

عزيزتي فاطيمة، تلك الجريمة وقعت في بدايات الحرب وشدت انتباهي، لكن لم تسمح لي وقائع العمل اليومية في تغطية الحرب أن أتتبعها، غير أنها ما زالت ماثلة أمام عينيَّ حتى الآن.

لقد كان الآباء والأمهات في وضع لا يوصف، هل يبقون على أطفالهم بصحبتهم والحرب دائرة واحتمالات إصابتهم أو قتلهم واردة في كل لحظة؟ أم يرضخون لهذا العرض ويسمحون بخروج أولادهم إلى مؤسسات وعائلات أوروبية وأميركية ريثما تنتهي الحرب بعد شهر أو شهرين كما يشاع؟

في الثامن عشر من شهر مايو/أيار عام اثنين وتسعين خرجت أول حافلة من سراييفو المحاصرة وبها مجموعة من الأطفال، أكثرهم من أبناء الملاجئ الذين لا أهل لهم، قصف الصرب الحافلة الأولى فجرح أطفال وقتل آخرون، ثم مرت القافلة، وبعدها مرت قوافل، كما مرت الأيام والشهور بل والسنون، وانقطع الاتصال مع هؤلاء الذين قاموا بتنظيم الأمر، وبالتالي مع هؤلاء الأطفال.

ثم تخرج جرائد بوسنية وكرواتية تتحدث عن وقوع عملية واسعة لبيع أطفال البوسنة في أوروبا، وأذكر أن جريدة غلوبوس الكرواتية قالت في طبعتها الصادرة يوم السادس من سبتمبر/أيلول عام ستة وتسعين أن هؤلاء الأطفال تم استغلال بعضهم في أفلام إباحية بعد أن وقعوا في أيدي عصابات تعمل في الدعارة.

وكانت الجريدة ذاتها قد ذكرت في عددها الصادر يوم الثاني والعشرين من شهر يوليو/تموز عام أربعة وتسعين أن هؤلاء الأطفال قد رحلوا إلى روسيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة والمكسيك، شخصياً أشعر أن هناك مبالغة في الرقم المقدر بخمسين ألف طفل من البوسنة ممن رحلوا إلى الخارج، نصفهم على الأقل من سراييفو، لكن المعلومات تشير وتؤكد إلى خروج حوالي مائة طفل دفعة واحدة من ملجأ واحد للأطفال في العاصمة البوسنية.

جريدة آرينا البوسنية تحدثت عن عدد محدود لأطفال خرجوا للعلاج ولم يعودوا، وجرائد أخرى انتبهت للأمر مع انتهاء الحرب وطالبت بالعمل على عودتهم، وذكرت أن الصلة قد قطعت بينهم وبين الوطن والدين وأن كنائس إيطالية احتضنتهم.

أشهر المؤسسات التي اتّهمت بالتورط في هذه الجريمة هي ما تدعى بسفارة الأطفال، وهي مؤسسة أسستها مجموعة من الفنانين والمثقفين والأطباء بهدف حماية الأطفال في دول يوغوسلافيا السابقة، التقيتُ حينها بمديرها دوشكو توميتش الذي أكد قيام مؤسسته بالترحيل، لكنه نفى بيع الأطفال، وادعى أنهم عادوا إلى الوطن، واستشهد بأن أحداً من أولياء الأمور لم يأتِ إلى السفارة ليطالب بابنه أو ابنته، لكنه لم يأتِ بسيرة أطفال الملاجئ الذين لا أهل لهم، وفي الوقت ذاته أكد وقوع هذه الجريمة واتهم مؤسسات أخرى بالضلوع فيها، وقد نجح في الخروج سالماً من القضايا التي اتُّهم فيها بهذا الشأن، أين الحقيقة إذن؟ لا أحد يعلم.

مهما كانت التفاصيل والوقائع، فإن هناك أعداداً منكم يا فاطيمة أخرجت من سراييفو ومن البوسنة كلها ولم تعد، وهي إما بيعت أو استغلت بصورة ما، أو فصلت عن وطنها ودينها، على حد قول بعض الصحف البوسنية والكرواتية.

فاطيمة العزيزة..
كبرتِ، لكن إياك أن تفعلي -كما الكبار- فعلاً يدفع ثمنه الصغار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.