المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يُحكى أنَّ | هل إذا عدتُ عدتُ؟

تم النشر: تم التحديث:

كان القائد لطيفًا للغاية، قال لن أستطيع أن أمنعكم، أنتم صحفيون ولكم الحق في الاطلاع على الوضع عن كثب، غير أني أنصحكم بأن تؤجلوا زيارتكم قليلًا، الوضع الآن خطير جدًا، وما تطلبونه يعرّض حياتكم لتهديد حقيقي. صاحبنا المترجم أخذه الحماس وأخذ يلحّ على القائد أن يسمح لنا بالتوجه إلى الخط الفاصل بين القوات البوسنية التي نحن في أرضها والقوات الصربية في ذلك الوقت من عام ثلاثة وتسعين، ولعل حامد في ذلك كان يقدر أننا قطعنا يومًا كاملًا في طريق وعر لنصل إلى هنا، وعزّ عليه أن نعود دون فائدة، وإن كان ذلك أفضل من ألا نعود نهائياً.

خرجنا مع الدليل الذي عُيّن لنا بعد أن استجاب القائد لإلحاحنا وحمّلنا مسؤولية ما قد يُصيبنا، وجدنا أنفسنا بين طبيعة جميلة وهادئة، بين أحراش الغابة، حتى أننا اعتقدنا أن القائد بالغ في الأمر لتخويفنا، كان حامد يسير مع الدليل في المقدمة، ثم نجيب المصور، ثم أنا آخرهم.

بعد فترة شعرت بأننا في نزهة، خاصةً أن الأحراش قد تباعدت، وأصبحتُ أرى المشهد الجميل على مرمى البصر في مساحات مفتوحة، وبدأتْ المسافات تتباعد بيننا نحن السائرين، شاهدتُ حامداً والدليل وهما يعبران طريقًا مدكوكًا يقطع الغابة ويرتفع عنها قليلًا، ثم نجيب يتبعهما ويعبر إثرهما إلى الناحية الأخرى، وكان التعب قد بلغ مني مبلغه، فخطوت على هذا الطريق ببطء وأنا أتلفت يمنة ويسرة لأكتشف المنطقة.

فجأة انطلقت رصاصات القناصة تجاهي، الحمد لله أخطأتني كلها، غير أن الفزع الشديد أصابني، وبتّ لا أعرف ماذا يجب عليّ أن أفعل، انتبه الزملاء المتقدمون وراحوا يصرخون بناءً على نصيحة الدليل أن انبطح أرضًا، ففعلتُ، عانقتُ الأرض وتمنيت لو تفسح لي قليلًا في بطنها إلى أن يهدأ الحال، توقف القناصة عن إطلاق الرصاص، ونُصحت بالزحف إلى أن أصل الناحية الأخرى عندهم ففعلت، هنأوني وقالوا لقد نجوت، عليك أن تذبح بقرة، قلت لهم سأذبحكم أنتم وقد تركتموني دون أي إرشادات، ثم أكملنا المسيرة.

بعد حوالي ربع ساعة من المشي صاح الدليل وصلنا، لم نكن نسمع إلا زقزقة العصافير، ولا نرى أحدًا، تلفتُّ أستطلع المكان، اكتشفت أننا وسط ميدان المعركة، خنادق محفورة في قلب الأرض وكأنها تحتضن الجنود المتعبين ومدافعهم الهاون. ثم فجأة ودون مقدمات وكأن هناك شخصاً أطلق الصافرة اندلعت المعركة، دليلنا نفسه ارتبك فالتصق تمامًا بشجرة تقف وحدها في المكان، المصور كان بعيدًا عني غير أنه انبطح على الأرض وربما تمنى مثلما تمنيتُ سابقًا، أما أنا والمترجم فقد دفعونا للنزول في أحد هذه الخنادق، وهي حُفر صغيرة.

تأكدت وأنا في قلب واحدة من هذه الحُفر أنني أعيش لحظاتي الأخيرة، الخطر لا يكمن فقط في قنابل الطرف الصربي التي تتساقط بكثافة على المنطقة، بل في هذه الحفرة نفسها التي نحن بها، بعد أن أفهمني المترجم أن المدافع والقذائف قديمة جدًا وغير مهيأة للعمل، وأنها قابلة للانفجار في أي لحظة في أيدي الذين يقومون بتعديلها وإعدادها للإطلاق.

شرح لي مترجمي الحديث الدائر بين الجنديين اللذين يشكوان أنهما لم يتناولا طعامًا منذ 24 ساعة كاملة، ووسط هذه التراجيديا وجدت مقاتلًا يأتي من بعيد، يسير غير مكترث بالقنابل المتساقطة، يحمل شيئًا أعطاه للجنود الذين نحن بضيافتهم وهم يصرخون فيه أن ينزل إلى الخندق ليتفادى القنابل، بينما هو يتحدث إليهم بلا مبالاة، حالة لم أشاهدها في حياتي لا من قبل ولا من بعد، وأدركت أن اعتياد الخطر يولد هذا الشعور.

أخرجونا من هذه الحفرة لاحقًا، تنقلنا بين عدة مناطق، ثم عند نقطة بعينها أمرونا أن نجري خلف دليلنا، سلكنا نفس الطريق عائدين، وكلما مررنا بمنطقة آمنين ازدادت ثقتنا بالنجاة، حتى وصلنا إلى مكتب القائد الذي فوجئنا بأنهم أخبروه بتفاصيل ما جرى، ودعناه وانصرفنا عائدين.

***

في الطريق قررت ألا أعود إلى الحرب مرة أخرى مهما كانت الإغراءات، سأرسل هذا التقرير، وسأرجع إلى بيتي في لندن وأبحث عن موضوع آخر وقضية أخرى بعيدًا عن كل هذا الهلع، وبعد أسبوع بين العائلة والماء الساخن قررت أن أعود.

هذا السيناريو تكرر مرات ومرات، بتفاصيل مختلفة، لكنها نفس الأزمة، ترى الموت يُحدق بك، فتقول كفى لن أعود، لكنك لا تحتمل السكون وتعود.

ماثلة أمام عينيّ هذه اللحظة التي وقعتْ قبل حوالي 23 عامًا، كانت عائلتي تسكن حينها في برمنغهام، وقد وصلت إليها من لندن عبر القطار، كان يوم سبت حيث بداية العطلة، وكان الوقت مساءً، خرجت أحمل حقائبي للبحث عن تاكسي يقلني إلى بيتي، فوجدتُ جموعًا من الشباب والشابات يحتفلون بطريقتهم بعطلة نهاية الأسبوع، هرج ومرج وفرح وموسيقى ورقص، عالم آخر غير العالم الذي أتيت منه للتو، حيث لا ماء ولا طعام ولا كهرباء ولا تدفئة، ولا جديد سوى أخبار الموتى، سألت نفسي: من منا يا تُرى يعيش الحياة، أأنا أم هم؟ في الحقيقة شعرت بأنني أنتمي إلى عالم أفضل من عالمهم، لكن نفسي حدثتني كثيرًا مرة أخرى عن الراحة التي يخلقها السكون.

عندما أجلس الآن أراجع صوراً فوتوغرافية تستدعي من الذاكرة حوادث بعينها، أسأل نفسي كيف فعلت هذا؟ كيف أقدمت على كل ما أقدمت عليه؟ في الحقيقة لا أعلم، أو في الحقيقة أعلم ولا أريد أن أصرّح، إنه الجنون، وهو نفس السبب الذي يصيبني بالهلع عندما يقرر أحد من أولادي أن يُقدم على مغامرة ما.

أعرف تمامًا هذا الشعور، أنك لا تهدأ إلا إذا أنجزتَ ما تريد، أنك لا ترى أمامك إلا هدفك، ولا تكترث للسهام المنطلقة من كل ناحية صوبك، أن روحًا ما تناديك فتسير وراءها مثل النداهة، لا تعي مخاطر الطريق، ولا الثمن الذي يمكن أن تدفعه، لا تعبأ بشيء سوى أنك تريد أن تصل، الموت الذي صادفني كثيرًا علمني أن الحياة ثمينة جدًا، وأنك قد تفقدها في أي لحظة، ولأنها ثمينة جدًا فلا يجب أن تقضيها في التافهات من الأمور.

لكن المثبطات كثيرة، تحاربك نفسك، ما لك أنت وهذه الأمور العظام؟ هل أنت مبعوث العناية الإلهية حتى تدعي أنك ستبلغ البشرية بما يجري في البلقان أو آسيا الوسطى أو الجمهوريات الخارجة من الاتحاد السوفييتي، هل أنت من سيحرك العالم بعد أن تبلغه بمآسي الحروب الأهلية في الكونغو أو غيرها؟ من سيسمع لك وأنت في أميركا اللاتينية تتحدث عن التقارب مع شعوبها، تلك التي لا تاريخ من الاستعمار أو العداوات بيننا وبينها، بل إنها تناصر الكثير من قضايانا.

لا يقف الأمر عند حديث النفس، فالمثبطات الخارجية كثيرة، مثل هذا الشاب الذي كان يتعمد رسم ابتسامة ساخرة لاذعة عندما يمنحني الرسائل التي تصلني من مؤسسات صحفية وقد سجلت عنواني على عنوان المركز الإسلامي في فرانكفورت حيث كنت أقيم، كان يسأل بتهكم: "يعني أنت بقى عايز تبقى صحفي؟"، وهو نفس الشخص الذي اتصل بي هاتفيًا بعد أكثر من 15 عاماً ليسألني، أنا فلان يا أستاذ، هل تذكرني؟ هل يمكن أن نلتقي؟

"أنا لها"، هو أعظم نداء داخلي يمكن أن أسمعه وسط هذا الضجيج، ضجيج يهزمه هذا الجنون اللذيذ الذي يدفعني لأن ألقي بنفسي في قلب التجربة، وليس معي من الزاد إلا القليل، مدركاً أن هزائمي الصغيرة هي زادي لمعركة النصر الأكبر، لأنه لا أحد ينتصر وهو ساكن.

لكنْ ثمة فارق بين التهلكة والمغامرة المحسوبة، ولطالما كنت مع الأخيرة، عليَّ ألا أبالغ في الحسابات، كثرة الحسابات تعيق المسير، لذا لا داعي لأن أسأل نفسي: هل إذا عدتُ إلى نفس العمر أعودُ إلى نفس الفعل، ولم لا؟ هذا الجنون هو عقل الحياة، ولو عدتُ لعدتُ.

أسعد طه

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.