المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يُحكى أنّ | ماذا تعرف عن العشق يا هذا؟

تم النشر: تم التحديث:

- وكأن الأرض انشقت فجأة فخرجت هذه الحورية من حواري الجنة، وكأنها سكنت أمس حينا وهي المولودة فيه قبل عشرين ربيعًا، لماذا لم أكتشفها إلا للتو؟ لا أعلم، لكن أعلم أن قلبي يدق بعنف كلما شاهدتها أو لمحتها أو مرت بي أو مررت بها، لذا كنت أتحين كل الفرص وأفتعل كل الحجج حتى أحظى برؤيتها ولو للحظات، ثم قررت أن أُسكن الشوق، ناضلت وناضلت حتى وافقت عائلتها على مضض، وبت رسميًا عريسها، وساعات وتزف لي ليجمعنا إلى الأبد عش تكون هي سيدته وأميرته.

= هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها أنك هكذا وقعت في الحب مبكرًا.

- لم أكن أنا يا فتى، وإنما شخص كتب يشتكي إلى تلك الصفحات التي يقصدها القراء بحثًا عن نصيحة من خبير يستعينون بها لتخرجهم من مآزقهم، وصاحبنا كانت شكوته غريبة للغاية، حتى أنني قرأتها في السبعينيات وظلت عالقة في ذهني إلى الآن، لقد أورد شكواه بعد أن أغدق على زوجته المديح لجمالها وأخلاقها، لكنه استطرد أن الطامة الكبرى اكتشافه أنها مثلنا، تستيقظ بعيون شبه مغلقة، وثياب مكرمشة، وأنها تقصد دورة المياه تمامًا مثل كل البشر.

يقول صاحبنا إنه لم يرَ في زوجته عيبًا قط، لكنه اكتشف أنها إنسانة عادية، وأن ذلك أفقده كل الحب والمشاعر التي كان يكنها لها، وهو لا يدرك ماذا هو فاعل الآن، فإن أبقى عليها ظلمها بعد أن تبدد حبه لها من قلبه، وإن أطلق سراحها ظلمها. الغريب أنني لا أتذكر بماذا رد عليه صاحب الصفحة، لكن القصة مثال لهذه المبالغة التي تنتابنا إذا ما وقعنا في عشق أحدهم، أننا نرفعه أو نرفعها إلى عنان السماء ونرسم لهم صورة خيالية، والنتيجة هو ما قصّه صاحبنا.

= ولكن ألا تعتقد أن هذا أمر طبيعي، أن ترى بعدسة مكبرة محاسن من تحب، فتسقط من المشهد كل مكوناته ولا يبقى سوى أحسنه، ثم أليس الحب أعمى؟

- ليس الحب بأعمى، وكيف للحب أن يُعمي؟ نحن الذين لا نرغب أحيانًا في مواجهة الحقائق، نحن الذين نتعداها، نحن الذين نتجاهل طبائع الأشياء، أحيانًا وقبل أن نقع في الحب نرسم صورة مبهرة لمن نريد أن نقع في حبه، فإذا صادفنا أحدهم وملنا له وضعناه في هذا البالون الضخم الذي قمنا بنفخه، العشق يا صاحبي يرفعك إلى عنان السماء، غير أنك تنسى أنك مازلت على الأرض.

= تقول إننا ابتداءً نرسم صورة لمن نريد أن نقع في حبه، هل تعتقد أننا من حب أنفسنا نحب من يشبهها؟ وهل يتحابّ الأضداد؟

- الحمد لله ليس للعشق قوانين منظمة، إنه ربما يردنا إلى فطرتنا، وفطرتنا تحنّ إلى الاختلاف، وتطمئن به، لذا ينجذب المرء أحيانًا إلى من يخالفه، ربما لأنه يضيف إليه شيئًا ليس عنده، وبه تكتمل الصورة، وتحلو الحياة، خذ عندك مثلًا علي عزت بيغوفيتش، عندما تقرأ سيرته وتكتشف أنه مفكر وسياسي تظن أن خالدة زوجته التي أحبها من كل قلبه مثله، تُعنى بالفكر والسياسة، لكنها في الحقيقة غيره، ولا تعنى بما يعنى به، لكنها أيضاً مقارنة جائرة، فأنت يمكن أن تقارن بين الاثنين بمحور آخر غير محور الفكر والسياسة، فتجد أنها تتفوق عليه في مجال لا خبرة له به، وربما أنه رأى فيها ما لم يكتشفه آخرون، والعكس، بل انظر إلى الزيجات بين أصحاب الديانات المختلفة، كيف يجمع الحب بينهم على نقيض ما يؤمنون به، وكيف تتزوج الثرية فقيراً أو العكس، ثم إن العشق يا صاحبي فعل قلبي بعيد عن الحسابات والأرقام والمنطق.

= تقصد أنه غير مفهوم؟

- العشق مثل الثقب الأسود، نتحدث عنه كثيرًا ونتكهن بما وراءه، لكن لا أحد بوسعه أن يشرحه لنا ما هو، أو يكون لديه تفسير لمساراته، وكيف ينتهي، على سبيل المثال، مانديلا، لقد امتد زواجه إلى أربعة وثلاثين عامًا، قضى منها سبعة وعشرين عامًا في السجن، فلما خرج قرر وزوجته الانفصال، وقال في خطاب الطلاق "إنني أنفصل عن زوجتي بلا اتهامات مضادة، وأضمها بكل الحب والحنان اللذين كننتهما لها داخل جدران السجن وخارجه، الحب والحنان اللذين شعرت بهما حيالها منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها"، ترى ما الذي يجعل العشق يصمد كل سنوات المحنة، فإذا انتهت المحنة انتهى العشق؟ ما الذي جعل الفتاة البوسنية تخبرني بأنها لن تتزوج من شباب بلدتها الذين لم يحاربوا، وتفتح كفيها لي وتكمل "ولم تتشقق كفوفهم من حمل السلاح"، فإذا ما انتهت الحرب تزوجت الفتاة المسلمة إيطاليًا، ثم تقول في استحياء: "أعرف حكم الدين، لكن لا أعرف ماذا أفعل مع عشقي".

= أمرها لله، لكن ليس لك أن تحكم لها أو عليها، ولعل عشقها لبلدها هو الذي دفعها خلال الحرب لقول ذلك.

- ذكرتني، في الشهور الأولى للحرب توجهت ضمن تغطياتي الصحفية إلى العاصمة الصربية بلغراد، وبينما كنت في الحافلة شاهدت مجندًا يودع طفله وزوجته وقد بدا على الجميع التأثر، سألت نفسي حينها: كيف لهذا العاشق لبلده وعائلته أن يقتل ويذبح ويغتصب آخرين؟ إن الذي يعشق فعلًا تسمو نفسه، تحلق هناك في عنان السماء، ولا يمكن لها أن تمارس ما يمارسه الغارقون في وحل الأرض.

= لكنك تخلط الأمور، نحن نتحدث عن العشق، وأنت هنا تتحدث عن الوطنية وعن المشاعر العائلية.

- ولماذا حصرت العشق في العلاقة بين الرجل والمرأة؟ لو رأيت كيف كان "تشافيز" يحدثني عن فنزويلا، لو رأيت كيف تتسع حدقتا عينيه وهو يتغنى بحسنها، كيف يتوهج حماسه وهو يعدد آماله نحوها، كيف يضطرب صوته عندما يأتي ذكر آلامها، إنه لا يتحدث عن قطعة أرض، ولا حفنة تراب، وإنما عن حبيبته وعشيقته، حتى عندما يتحدث عن إيمانه إنما يتحدث عن وقوعه في حب المسيح.

ثم دعك من تشافيز، "خيرو" مثلًا، السائق البوسني الذي عمل معي لفترة، إنه لا يتوانى أن يتوقف بسيارته وسط كل ما كان يجري وقت الحرب إذا ما شاهد شخصًا يرمي ورقة على الأرض، إنه يخرج ليتشاجر معه، هو يشعر بأن كل شبر في هذا البلد إنما له، وهو حبه وهو عشقه، يزيل حجرًا، أو يرفع أذى، أو يدفع بأبنائه للانخراط في المقاومة، إنه عاشق لبلده، يؤمن بأن الوطنية ليست هي النشيد الوطني، أما أخبرتك بأن العشق لا يعرف حدودًا ولا قوانين ولا منطقاً؟

= وكيف تعرف العاشق إذن؟ ما علامات العشق؟

- انظر إلى عيني المرء سترى قلبه إذا ما كان مشتعلًا، اقترب منه ستشعر بأن روحه تحلق هناك في علٍ، لذا لا ينحدر سلوكه، صحيح العاشق ليس ملاكًا، لكن قلبه كذلك، وإذا ما اقتربت أكثر ستجده معطاء، فالعشق يمنحك إكسير العطاء، فتجد نفسك مدمناً في منح الآخرين كل ما لديك.

= لقد أغفلت الجسد من حديثك يا مولانا.

- كيف ذاك؟ وماذا تعرف عن العشق يا هذا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.