المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يُحكى أنَّ | أصل الحكاية!

تم النشر: تم التحديث:

في عام اثنين وسبعين، منحتني أختي خمسين قرشًا لأقتني كتاب "عودة الوعي" لتوفيق الحكيم، كان من عادتها أن تدفع لي لأشتري من الكتب ما شئت، سواء أكانت على قناعة بالمنشور أم ضده، لكنها دُهِشَتْ بعد أن اطّلعت على موضوع الكتاب، فقد كنتُ حينها مشبعًا تمامًا بكل أفكار ثورة يوليو، متحمسًا لها، مغنيًا بها، ومن ليس بوسعه أن يهيم بأفكار العدالة الاجتماعية، والمساواة، والكرامة الوطنية، والتحرر، إلى آخر ما كانت من شعارات المرحلة؟ وكانت بالتالي تعرف حبي الشديد لعبد الناصر.

كان منطلقي -وعمري حينها ستة عشر عامًا- هو أن أحيط بوجهة النظر الأخرى، فإما أن أثبت على فكرتي أو ألفظها، كنت شغوفًا أن أعرف رأي "الحكيم" في تقييم الواقع وفي ثورة يوليو، وهو الذي كان يعتبر أن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر هي الكشف عن وجه الحقيقة، وإنْ كان سؤالي حينها، لماذا الآن؟.. ألا يجب على الذين يبحثون عن الحقيقة أن يتحلوا بالشجاعة ليعلنوها في حينها وليس بعد عشرين عامًا؟

وهو نفس المنطلق الذي حركني بعد ذلك بسنوات، حين كتبتُ وزميلي صلاح الدين جريدة حائط، وقمنا بتعليقها في صدارة صالة مبنى إعدادي بكلية الهندسة بالإسكندرية، وكان عنوانها لافتًا: "سيدي الأمير يحارب طواحين الهواء"، كان المعتاد حينها هو أن يقوم الطلاب بنشر مقالاتهم في مجلات حائطية ومكتوبة بالخط العادي، لكننا استبدلنا بذلك مجموعة من الورق المقوى الكبير، وكتبنا عليها مقالنا الصادم حينها بحروف كبيرة.

***

في ذلك الوقت كانت الجماعات الإسلامية في بداية عصر صعودها، وكانت فكرة تحديها تخيف الكثيرين لارتباطها بالدين ومقدساته، فما بالنا وقد استهدفنا رأس الجماعة سيدي الأمير؟! كنا نقف في الصالة حين فوجئنا بالمعيد "تاج الدين" وهو ينزل من مكتبه بصحبة عدد ضخم من الشباب الملتحي من الجماعة الإسلامية، الذين كانوا حادّي الطباع والكلام، حتى قدرتُ وصديقي أننا سنتعرض للضرب لا محالة، لكنه أمرهم أن يصمتوا، ففعلوا، وحدثنا بأدب جم، وطلب أن نرفع مجلتنا، ورفضنا وعرضنا الحوار بديلًا، فوافق على أن يُجرى في مكتبه.

صديقي "صلاح" كان يعرف أنني مواظب على صلواتي لكنه اعترض بشدة أنني بدأت التردد على مُصلّى الكلية الذي كان بمثابة معقل للجماعة الإسلامية، وكانت وجهة نظري أن المسجد ليس لهم وحدهم، وداخلي صوت يلحّ عليَّ أن أعرف ماذا يريد هؤلاء، ليس عندي أي غضاضة أن أقفز من موقعي إلى موقع خصمي؛ لأتأكد بنفسي ماذا يريد.. أهو على حق أم أنا؟

أن تجد الحقيقة يستلزم أولًا أن تكون مخلصًا لها، لها وحدها وليس لسواها، مستعدًا للتنازل في الحال عما لديك إذا كان يجافيها، فإذا وضعت أسوارًا في البداية بينك وبين أفكار الآخرين، ورفضت أن تسمعها وأن تفكر فيها بعمق وإخلاص وتجرد فكيف تصل إلى الحقيقة؟

كذلك فإن الأمر يحتاج إلى شجاعة فائقة، نعم.. أن تكون لديك الشجاعة أن تتحول إلى ما كنتَ تعاديه إذا ثبت لك أنه الحق، أن تكون من حيث المبدأ جاهزًا؛ لأن تخرج على المجتمع فتقول كنتُ على خطأ، وقد اعتنقتُ الآن ما أرى أنه الحقيقة.

والحقيقة ليس لها لون، ولا طعم، فهي ليست مرتبطة بأشخاص ولا أقوام، فلا المسيحية هي التي تدفع أتباعها لقتل أهل ناجازاكي وهانوي وبغداد، ولا الإسلام هو الذي يوحي لأتباعه بفعل ما يفعله بعضهم الآن، وبالتالي فإنّ حكمكَ يجب أن ينصبّ على الفكرة لا على أتباعها.

كثير من الذين ألحدوا لم يفعلوا ذلك قناعة بالأمر قدر كراهيتهم لأهل الدين وسلوكياتهم، وكان عليهم أن يدركوا أن المسافة شاسعة بين هؤلاء وبين الدين الذين يزعمون أنهم يعتقدونه.

بدأت أقرأ في ديني أكثر، فوجدت أنه يتحدث عن الأخلاق، لقد اختصر الرسالة كلها في "لأتمم مكارم الأخلاق"، وجدتني في مأزق، ففي هذا الوقت كان التنظير والتأطير والحوارات والمظاهرات والندوات جارية على قدم وساق، وكان الرفاق يدخلون في نقاشات ملتهبة، وهم يدخنون، وشعورهم مرسلة مبعثرة، يتحدثون عن البروليتاريا، وصراع الطبقات، والديمقراطية البرجوازية، ومواجهة الشعبوية، والاستعاضة عن الدياليكتيك بالمذهب الاختياري، وأهمية الحركة الستاخانوفية، فيما الإخوة يتحدثون عن الصدق والإخلاص والأمانة؛ يعني عن "مكارم الأخلاق".

كانت عبارة "اللي يكدب هيروح النار" -التي كان أهالينا يقولونها لنا- مثار ضحك وسخرية بين جيلنا ونحن صغار، كانت النصائح الأخلاقية المباشرة هي سمت الجيل القديم، وليس جيلنا التواق إلى الحرية، الساعي للتغيير، المتمرد على القوالب الجاهزة، وظللت أفكر.. لماذا لم يخرج مفكرونا بحزمة من المصطلحات العصرية؟ ولماذا ليس هناك أطروحات تعتمد على صحيح الدين لتقدم حلولًا وخططًا ورؤى متوائمة مع روح العصر؟

عام ألفين واثنين ذهبت إلى كازاخستان بخصوص إحدى حلقات برنامج "نقطة ساخنة"، لكن فكرة أخرى لبرنامج "يُحكى أن" كانت تناديني من "سيمي بلاتينسك" شمال شرق البلاد، فبدءًا من 29 من أغسطس/آب لعام 1949، وعلى مدى 40 عامًا، أجرت السلطات السوفيتية 74 تجربة نووية في هذه المنطقة، يُقال إنها كانت لها من القوة 2600 مرة ما كان لقنبلة هيروشيما.

لقد مات من الناس من مات، وهدم من البيوت ما هدم، والأسوأ هم أولئك الذين عاشوا، فقد أصيبوا بالأمراض من جراء التأثيرات النووية، وأنجبوا أطفالًا مشوهين، وأصيبت المنطقة بالجفاف، وجفت المياه في الآبار والينابيع، وتُوفّت حيوانات كثيرة بعد أن فقدتْ الأعشاب مصدرًا لغذائها، كان المشهد بحق مرعبًا.

وما فعله السوفيت بحق سكان هذه المنطقة المسلمين، مشابه لما فعلته أميركا في نيفادا، حيث يعيش الهنود الحمر، وما فعلته الصين في مناطق الإيغور.

أحياناً لا تحتاج إلى دراسات وأبحاث لتقرر موقفك، تحتاج فقط إلى أن تعمل عقلك، أن تنظر حولك وتفكر، ولقد دفعني ما رأيت إلى التفكير طويلًا طويلًا، كنت أسأل نفسي -وهذا مثال من عشرات الأسئلة- ما الذي يمكن أن يردع صاحب القرار عن أن يتخذ مثل هذا القرار بقتل وتشويه الملايين؟ ما الذي يمكن أن يمنع الطيار من أن يقذف بقنابله النووية على شعوب مسالمة؟ فيموت الناس وتولد أجيال مشوهة تعيش طيلة حياتها معذبة، من له هذا السلطان على القائد وعلى الجندي.. سوى الأخلاق؟!

وهل الاستبداد والديكتاتورية والفساد والاستعمار وانتهاك حقوق الإنسان والتعذيب والاغتصاب، إلا نقص في الأخلاق؟

فكرت وتخيلت أنني بهذا وصلت إلى أصل الحكاية.

أسعد طه