المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يحكى أن : البرنامج الذي أنقذ الرئيس

تم النشر: تم التحديث:

مطار سراييفو صغير جدًا، مظلم جدًا، مزدحم جدًا، مختنق بدخان السجائر، مزين بقسمات يوغسلافيا الاشتراكية، أو هكذا كان عندما حطت طائرتي أول مرة في نهايات عام تسعين من القرن الماضي، وكان أسوأ عندما غادرتها بعد عامين إثر إحدى زياراتي المكوكية التي كنت أقوم بها حينها.

كان ذلك في شهر إبريل عندما اندلعت الحرب وكنت بالصدفة هناك، عقب ليلة مضنية، وحينها كان المطار يضج بكل الذين في قدرتهم الفرار، ولم يكن في بناية المطار إلا عدد قليل من الموظفين، وحالة كبيرة من الهرج تسوده، وبأعجوبة حصلت على تذكرة سفر إلى ميونيخ بألمانيا.

لاحقا عدت إلى سراييفو برًا، لكن من حين إلى آخر كنت أستخدم طائرات حلف الناتو للدخول إليها قادما من الخارج، وهي الطائرات التي كانت تسمح بنقل الصحفيين والعاملين بالإغاثة على متنها خلال الحرب، وقد تحول المطار إلى ثكنة عسكرية بائسة، فقد تغيرت ملامحه بالكامل، وبات أسوأ، قبل أن يصبح اليوم جميلًا أنيقًا.

لكن في كل الأحوال لم أكن قد أحطت بتفاصيل حادثة خطف الرئيس في المطار إلا عندما حكتها لي ابنته الوسطى سابينا، وهي تلك الحادثة التي جرت بعد حوالي شهر من اندلاع الحرب حين طُلب من رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش التوجه إلى لشبونة للدخول في مفاوضات مع الطرف الصربي برعاية دولية، وبقيادة الدبلوماسي الإسباني كوتيلييرو، لكن الرئيس اشترط للمشاركة أن يتوقف الصرب عن قصف العاصمة.

أُذعن لطلبه وأُوقف القصف الصربي، ومنحته المجموعة الأوروبية ضماناتها لتأمين سفره وسلامته، خصوصًا أن مطار سراييفو المحاصرة كان تحت سيطرة الجيش اليوغسلافي، أي القوات الصربية، وما إن وصل الرئيس إلى لشبونة حتى خانت القوات الصربية الاتفاق وعادت لتقصف العاصمة، فقطع علي مفاوضاته وأصر على العودة إلى بلاده.

تقول لي سابينا التي كانت مساعدته ومترجمته في ذاك الحين: "كان ذلك في الثاني من مايو عام اثنين وتسعين حين انطلقنا عائدين في طائرة المجموعة الأوروبية، لكن عندما هبطت بنا الطائرة في روما للتزود بالوقود، حاول قائدها الاتصال بمطار سراييفو، فلم يرد عليه أحد، وعندما أصبحنا قريبين جدًا من سراييفو، وحان موعد الهبوط، سألنا قائد الطائرة ماذا يفعل والمطار لا يرد على اتصالاته، وخيرنا بين الذهاب إلى العاصمة الكرواتية زغرب أو العاصمة الصربية بلغراد، وبما أن الحرب كانت في بدايتها، فقد اختار أبي زغرب".

ولكن يبدو أن الصرب اكتشفوا أن الصيد يفلت، فما أن غيرت الطائرة مسارها في اتجاه زغرب حتى اتصل مطار سراييفو بقائد الطائرة يبلغه بإمكانية الهبوط، تواصل سابينا حديثها لي وتقول: "عندما هبطت بنا الطائرة، سألني أبي إن كنت أرى أحدًا في المطار، فأخبرته أن الدبابات تحيط بنا، وقد وجهت كل فوهات مدافعها باتجاه طائرتنا".

نزل علي من طائرته حيث كانت تنتظره عناصر من الجيش اليوغسلافي سابقا الصربي حاليا، واقتيد فورًا إلى غرفة صغيرة في بناية هذا المطار، "كان معنا السيد لاغومجيا، الذي كان حينذاك رئيس الحكومة أو نائب رئيس الحكومة، لست متأكدة الآن، وكان معنا دينو وهو عنصر الحماية الشخصية، وأنا، أي نحن الأربعة فقط".

تواصل سابينا الحديث لي وتقول: "جلسنا إلى طاولة، فطلب أبي فورًا الهاتف، فأجابوه مباشرة بأن خطوط الهاتف لا تعمل، وكان قائد المطار برتبة عقيد في الجيش، وقد اختار أربعة من الجنود الشبان، ووزعهم على زوايا الغرفة الأربعة، ووجهوا بدورهم أسلحتهم في وضع الإطلاق نحونا، ثم حدث أن خرج هذا القائد من الغرفة، وبعد خروجه بدقيقتين، رن جرس الهاتف الموجود على الطاولة في الغرفة ذاتها، انتابني الخوف من أن يمسك أبي بالسماعة فيقتله الجنود، فسارعت لرفع السماعة فإذا بامرأة عادية تسأل إن كانت هناك طائرة ستغادر سراييفو، وكان أبي طول الوقت يقول أعطني الهاتف، أعطني الهاتف، فأعطيته الهاتف، فقال لها: "سيدتي، أنا علي عزت بيغوفيتش رئيس البوسنة والهرسك، وأنا موجود في المطار، لقد أسرتني قوات الجيش اليوغسلافي، أرجوك اتصلي فورًا بالرئاسة وبالتلفزيون"، ثم وضع السماعة.

يومًا كنت أشاهد شريط الفيديو الذي التُقط للرئيس المختطف وهو يتم نقله من المطار إلى ثكنة عسكرية في لوكافيتسا، وكان لافتًا أن أشاهد الجنود يؤدون له التحية العسكرية وهو يمر بهم، رغم أنه مختطف، فيما قسمات وجهه تشع غضبًا لم تحمله صورة له من قبل ولا من بعد.

شخصيًا أتفهم ذلك، فعنده من أسباب الغضب ما يكفي، فقد نقض الصرب عهدهم وواصلوا قصف المدينة، ثم هاهم يختطفونه، والأشد دهشة هو السؤال الذي طرحته سابينا وهي تحكي لي الحكاية: "لماذا لم يأت المراقبون الأوروبيون لاستقبالنا؟ لماذا لم تف المجموعة الأوروبية بتعهداتها بأمن والدي كرئيس للجمهورية؟".

"لقد أمضينا النهار بأكمله هناك، ثم الليل، حتى بعد ظهر اليوم التالي، كان أمرًا مثيرًا، مراقبة تصرفات بعض العسكريين، كان هناك ضباط شبان، وكان يوجد أيضا الكولونيل غاغوفيتش، الذي كان عصبيًا جدًا إلى درجة الجنون، وكان الوضع على حافة الانهيار، لأن مجموعة كبيرة من المدنيين الصرب المدججين بالسلاح بدأت تحيط بالثكنة التي نقلونا إليها، كانوا فلاحين يحملون السلاح، جاؤوا يريدون رأس أبي، ثأرًا لما وقع قبل حوالي عشرين يومًا عندما هاجمت وحدة من قوات الدفاع المسلمة ناقلة جنود صربية وأسرت بعضهم".

"لم أكن أشعر بالخوف، لكن أبي قال إنها كانت من أصعب الليالي، خصوصا عندما ذهبت حوالي الساعة الرابعة فجرًا مع امرأة كانت طبيبتهم للاستلقاء قليلًا وكنت مصابة بدورة برد شديدة، وكانت المرأة تشتكي طوال الوقت كيف أن جنودهم يُقتلون في سراييفو، وكيف أنها تعمل على إنقاذهم، لقد تملك أبي خوف شديد حينها عليّ".

كان علي يخشى ابتزازه بها، وهو يعرف أن الصرب حينها كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أي فظاعات، وهو الذي عُرف بحبه الشديد لأبنائه، هؤلاء الذين تحملوا سنوات سجنه الطويلة.

تواصل سابينا حكايتها لي: "كان ذلك الكولونيل يدخل إلى الغرفة كل عدة دقائق مضطربًا ويقول إنه غير قادر على وضع تلك المجموعة تحت السيطرة، وقد استمر هذا الأمر طوال الوقت، وأذكر أن ضابطًا شابًا كان يحاول أن يكون لطيفًا معنا، وقد أخبرنا عدة مرات بأن الصدفة وضعته في هذا الموقع عندما بدأت الحرب، وكان يحضر لنا علب الحليب ويفتحها أمام أعيننا، لكيلا تساورنا أي شكوك".

"كنت أحاول الاتصال بالهاتف، حاولت أولًا الاتصال بالسفير الأمريكي في بلغراد، وأخفقت في فعل ذلك، ربما لأني كنت مضطربة، ثم أخذ ذلك الضابط الهاتف وطلب الرقم ثم أعطاني السماعة، وتمكنت من التواصل مباشرة مع السفير الأمريكي، وأخبرته بما يحدث لنا".

كنت ألتقيه أحيانا في ممرات مبنى تلفزيون البوسنة والهرسك خلال أيام الحرب، يلقي التحية سريعا ويكمل طريقه، أعجبني إصراره على تقديم برنامج يومي على الهواء مباشرة طوال زمن الحرب، كان حاضرا من أول لحظة اندلعت بها الحرب إلى نهاياتها، ذلك هو المذيع الأشهر في تلفزيون البوسنة والهرسك سناد حجي فيزوفيتش.

أعتقد شخصيا أن السفير الأمريكي لم يفعل شيئًا ذا قيمة، لكن سناد فعل، وبمحض الصدفة، وقد سألته مرة عن الواقعة وأجاب: "في تمام الثالثة عصرًا بدأت برنامجي على الهواء مباشرة، مستضيفًا بعض القادة العسكريين الصرب من جهة، وبعض المواطنين من سكان سراييفو من جهة أخرى، الذين كانوا يتحدثون عن تجاربهم وبما يشاهدونه بأعينهم تكذيبًا لهؤلاء القادة الصرب الذين يؤكدون أنهم لا يستهدفون المدينة، واستمر ذلك حتى الساعة السابعة والدقيقة الثالثة والعشرين حين رن فجأة الهاتف الموجود على طاولتي وكان معطلًا من قبل، وكان الزملاء قد أبلغوني بأنه قد تبقى لدينا ثماني عشرة ثانية فقط حتى نهاية البرنامج".

"رفعت سماعة الهاتف فإذا بشخص يقول "هنا علي"، فاعتبرت تلك خديعة من غرفة التحرير على شكل معاكسة من أحد، يمزح بعد حوالي خمس ساعات من العمل ليجعلني أسترخي قبل ختام البرنامج، فقلت أسايره، وبدأت أقول أين أنت يا علي؟ ماذا لديك؟ كيف أنت يا علي؟ وهكذا، لكنه تعرف على صوتي وقال أنت سناد. وأدركت أنه هو الرئيس، وإذا به يبلغني أنه مختطف".

"بعد أن بدأت أدرك حجم الأزمة، سألت علي: سيادة الرئيس أخبرني من فضلكم في أي وضع أنتم هناك، وهنا تحدث بهذه العبارة المشهورة وقال إنني أعتقد أنني مختطف، فإذا بالجنرال جورجيفاتس يتصل بي على الهواء ويطلب المداخلة لينفي بشدة أن يكون الرئيس مختطفًا، فيرد علي: يقول الجنرال جورجيفاتس أنني لست مختطفًا، ولكن وفي جميع الأحوال أنا لست هنا بإرادتي، وقتها بدأ فصل درامي".

"لم أعرف كيف أستطاع علي أن يتصل بي، لكن لحسن الحظ أن الذي قام باختطافه، هو الجنرال "فويسلاف جورجيفاتس" الذي كان قبل ذلك بعشر سنوات قائدي بالجيش، وهو شخص عدواني جدًا، وشخصية عسكرية خيالية لا تتكرر، وقد استمر هذا الجنون على الهواء حوالي ست ساعات، حتى طلبت من الجنرال وعلى الهواء مباشرة أن يعطيني كلمة شرف عسكرية بأنه لن يحدث سوءًا للرئيس، وهذا في الحقيقة ما جعل الأمر منتهيًا، وكان الأمر مثار عجبي، فها هو قائدي يختطف رئيسي".

تدخلت أطراف عدة، أظن أنها كانت راغبة في اختفاء الرئيس، ووضع المسلمين في موضع صعب والحرب في بدايتها، لكن البرنامج فضح المؤامرة، وجرت المفاوضات، وتم في ظهر اليوم التالي مبادلة الرئيس على عزت بيغوفيتش بجنرال صربي كان معتقلًا لدى المسلمين، وعاد علي إلى قصر الرئاسة ليكمل حربه دفاعًا عن بلده، ألم أقل لكم إن الإعلاميين قد تكون من ورائهم ثمة فائدة.. أحيانا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.