المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

أذربيجان .. تلك البلاد العجيبة

تم النشر: تم التحديث:

يحكى أن "43"
أستيقظت منحرفا عن عادتي في العاشرة صباحا ، تناولت إفطاري في فندقي العتيق غير المسموح للأجانب بسكنى غيره ، بناية شاهقة ، ذات رائحة شيوعية نفاذة ، نعم لبلاد الشيوعية رائحتها المميزة ، يتحكم في كل طابق بالفندق سيدة مع مجموعة موظفين يمثلون إدارة الفندق لإحكام القبضة على النزلاء الأوغاد ، رغبت في إحتساء الشاي ، جاءت السيدة المشرفة على الطابق لتقدمه بنفسها ضمن أعمال تجارية تقوم بها لحسابها الخاص ، صينية عليها إبريق صغير من الشاي المركز جدا ، ثم إبريق ضخم يسع ربما خمس أو ست أكواب من الماء الساخن ، ثم يخلط قدر من هذا مع قدر من هذا ليكون كوب الشاي كما ترغب في كثافته ، ثم حوالي ربع كيلو سكر مكعبات ، يطلق عليه صخر ، وهذا كله مقابل صفقة تقدر قيمتها بحوالي (ون دولار) مرة أخرى ، أما طريقة الأستعمال وبعد أن تخلط ماء الإبريقين وتحصل على الكوب المطلوب أن تضع قطعة سكر بين أسنانك ، ثم ترتشف رشفة ، ثم تضع قطعة أخرى وترتشف رشفة أخرى ، وهكذا دواليك إلى أن تنهتي من كوب الشاي ، وتنتهي أسنانك لاحقا وتستبدلها بأسنان مذهبة كما يتفاخر بذلك علية القوم هنا

بقيت في بهو الفندق منتظرا لشخص عربي سيتولى مرافقتي ، من لحظته الأولى كان ودودا للغاية ، سار حديثنا ممتعا وأنا أستنطقه عن الأوضاع هنا ، قررنا أن نقوم بجولة في المدينة ، سألني أن أحمل جواز سفري معي دائما وإلا تعرضت لمشاكل إذا ما أستوقفتني الشرطة لأي سبب ، طلبت منه أن يسأل موظف الأستقبال أن يرده لي وقد سلمته إلى زميلته عندما وصلتٌ فجرا ، ردْ الموظف بعد قليل كان صادما ، جواز سفرك يا سيد غير موجود لدينا ، بحثنا في كل مكان ، ولم نجده

أصابني الهلع ، أنا في دولة تخرج من رحم دولة ، فليس بها سفارات ومازالت في مرحلة جمع الإعترافات الدولية بها ، وفي بلادنا فإن المواطن في نظر سفارته متهم حتي تثبت براءته ، بعد عدة ساعات مرت بطيئة ، عاد موظف الأستقبال مهللا أنه نجح في الإتصال بزميلته وأنها أخبرته أنها خشيت أن تترك جواز سفري في مكتب الإدارة فجرا فيسرق أو يفقد لأي سبب فأصطحبته معها إلى بيتها

كيف كان شكل باكو عام واحد وتسعين من القرن الماضي وهي عاصمة أذربيجان التي قررت الخروج ضمن الخارجين من الإتحاد السوفياتي ، أحاول إستدعاء ذاكراتي المشتتة ، ضباب العمر يحول دون كثير من التفاصيل ، لكن كأني كنت في ريف بلد عربي ، فرغم البنايات العتيقة ، فإن الحياة بدائية ، والناس بسطاء ، والفتيات يلطخن وجهوهن بالأصباغ ، يرتدين ملابس تعود تصاميمها إلى عهود مضت ، بالكاد تجد مطعما صالحا للاستخدام الآدمي ، والكل متجهم ، والكل منصرف إلى أي مشروع يمكن أن يحقق له دخلا ربما يؤمن له في ظل الدولة الحرة الجديدة حياة بمثل رفاهية حياة أهل الغرب

أنعقدت بيني وبين أهل مطار باكو صداقة بعد ترددي اليومي عليهم أسأل عن مصير حقيبتي ، بعد أن زف إلي الخبر فتح المفتش الحقيبة بعناية فائقة ، ثم نظر لي وسألني بلغة حازمة كما لو أنني في حضرة النيابة ، أهذه لك ، فأجبته ، فعاد ليسألني وهو يدقق النظر في عيني أنظر إلي محتواياتها هل ينقصها شئ ، مددت يدي لأفتش فأوقفني ، ثم بادر هو بالتفتيش بنفسه وإخراج محتوياتها واحدة واحدة ، إلى أن أصطدمت يده بنسخة من المصحف الشريف فأنفرجت أساريره ، وتوقف عن المتابعة ، سلمني حقيبتي بود ورحب بي بين أخواني ، وذلك قبل حوالي ربع قرن من أن يصبح الأخواني تهمة رسمية

عن هذه البلد العجيب وقبل زيارتي الأولى له صدر لي كتيب متواضع بعنوان " أذربيجان ورياح جورباتشوف التي عصفت بالمسلمين " عن دار المختار الإسلامي ، يتحدث عما وقع فجر العشرين من يناير عام ألف وتسعمائة وتسعين عندما أقتحمت القوات الروسية العاصمة باكو ومارست كل أنواع العنف على أهلها وأطلقت الرصاص في كل الأتجاهات على المئات من الأهالي وذلك بحجة حماية الأرمن من المذابح التي يتعرضون لها في أذربيجان ، لكن أحدا لم يحمى آذربيجان من أحتلال آراضيها في ناغورنو كاراباخ من قبل الأرمن

على كل حال ليست هي المرة الأولى التي تقتحم القوات الروسية أذربيجان ، فعلتها من قبل وأنتزعتها من الفرس عام ألف وثمانمئة وثماني عشرة ، لكنها أستقلت بعد حوالي قرن من الزمان ، ثم عاد الروس إلى أجتياحها عام ألف وتسعمئة وعشرين لتصبح جمهورية سوفيتية ، وبعد يومين من تلك المذبحة الرهيبة الأخيرة خرج أهل باكو يشيعون ضحايهم ويمزقون بطاقات إنتماءاتهم للحزب الشيوعي ، ولتعلن أذربيجان أستقلالها في شهر أغسطس لعام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين

أصطحبني مرافقي إلى مقبرة الشهداء ، لم تكن بعد على شكلها الحالي كما هي الآن يغطيها الرخام وشيء من الزينة وشيء من البرود ، كانت كما لو أن دم الشهداء مازال يجري على أرضها ، زرت مقابر جماعية عديدة لاحقا في حياتي ، هذه واحدة من مقابر الشهداء التي تركت في نفسي أثرا لا يزول ، وليس لدي إجابة واضحة عن السبب

كان بعض المكلومين يزورون ضحاياهم ، يهدونهم الأزهار ، رغم علمهم أنهم في جنان أفضل ، صور الضحايا تفيد أنهم صغار السن ، سقطوا إما ليلة الغزو الروسي ، أو ليلة الغزو الأرمني لكارباخ ، وتضم المقبرة كذلك رفات بعض العرب والأتراك الذين حاربوا في أذربيجان خلال الحرب العالمية الأولى ، فوجئت بقدوم عريس وعروسه بلباس الزفاف إلى المقبرة ، سألت مرافقي ، قال إنها أصبحت عادة لديهم ، يأتون ليلة العرس إلى مقبرة الشهداء يلقون التحية ويمضون ، وكأنهم يشكرون الذين ماتوا من أجل أن يعيشوا

بدت لي أذربيجان وكأنها مضطربة الهوية ، لا تعرف إلى أين تتجه ، هل صوب العالم الإسلامي المحسوبة عليه ، أم إلى أوربا المتحضرة ، إلى العالم الشيعي الذي تنتمي مذهبيا إليه ، أم إلى السني وهي تنطق تركياً ، في زيارة تالية ، تحديدا عام أثنين وتسعين ألتقيت بزعيم المعارضة حينها أبو الفاز التشيباى ، رحمه الله ، أستقبلني مرحبا في غرفته الضخمة المظلمة ، حاورته وحاورني ودار حديثنا سلسلا إلى أن سألته عن الهوية ، فرد بتهكم صارخ ، ماذا بوسعنا أن نأخذ مما عندكم ، المتنبي أم الجاحظ ، بالطبع سوف نتوجه إلى الغرب ، الغرب هو الحضارة وهو المستقبل

صديقنا أصبح بالفعل رئيسا لأذربيجان عندما وقعت أستثناء إنتخابات ديمقراطية وحصل فيها على أغلبية بنسبة ثلاثة وستين بالمائة ، لكنه بعد ما يزيد قليلا عن عام وقع إنقلاب عليه ، نعم إنقلاب وليس ثورة ، لتعود نسب التصويت للرئيس من بعده إلى تسعة وتسعين بالمائة ، النسب المتعارف عليها عندهم وعندنا

أحب في باكو حيها القديم ، أحب في المدن دائما أحياءها القديمة ، ربما لأنها مثلي قديمة ، إنها باكو التاريخية التي يعود تأسيسها إلى القرن التاسع عشر الميلادي ، ويضم الحي قصر شروان الذي سكنه الحكام على مر العصور

الإسلام أيضا قديم في أذربيجان ، فقد فتحت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام الثامن عشر للهجرة ، ولم تكن حينها مقسمة كما هي اليوم بين شطر جنوبي يسكنه ما يزيد على عشرة ملايين ويقع ضمن إيران ، وشطر شمالي يمثل جمهورية أذربيجان القائمة الآن بسكانها الذين يقتربون من ثمانية ملايين نسمة

رائحة اليود تنعشك إذا ما وقفت في باكو عند أعتاب بحر قزوين ، الذي هو أكبر بحر مغلق في العالم ، وباكو نفسها عرفت كعاصمة للذهب الأسود ، فقد تم بها حفر أول بئر سطحي في العالم لإستخراج النفط في القرن الخامس عشر ، وبعد ذلك بثلاثة قرون كانت باكو تنتج نصف كمية النفط الذي كان العالم كله حينها ينتجه يوميا

هل مللتم الحديث في السياسة وأنا كذلك ..

زرت أذربيجان لاحقا مرات عديدة ، وفي إحداها كنا في رمضان ، وقد أزعجنا السائق بدخان سيجارته ، دار حديث بينه وبين مرافقي ، قال له السائق أنا مثلك صائم أيضا ، غير أني لا أستطيع التوقف عن التدخين ، صمت صاحبي ولم يشأ الدخول في جدال معه ، لكن فجأة وجدته ينفعل بشدة ويتحدث بلهجة حادة مع السائق وأنا أحاول جاهدا أن أستوقفه أو أستفسر منه عما يجري ، وبعد أن هدأ قال لي ، إن الناس هنا لهم عادات في كرم الضيافة ، ومن مظاهر هذا الكرم عند بعضهم أنه إذا أتى رجل من خارج المدينة فإن مستضيفه عليه أن يجلب له ما أمكن من أسباب السعادة ، ومنها صديقة تبقى معه فترة بقائه ، وسائقنا بعد أن تحدث مع مرافقي عن رمضان والإسلام سأله - وكأنه يريد المساعدة - هل أتيت لصاحبك بفتاة ؟

لكني مازلت أذكر سائقي الأول في أول رحلة ، لقد كان يعمل معي بجد طوال رحلتي ، وبنهاية كل يوم أدفع له مقابل خدماته كسائق ونظير أستخدام سيارته ، قبل أن أغادر دعاني مع المترجم لزيارته في الجامعة التي قال إنه يشتغل بها ، كنت مترددا في قبول الدعوة لإنشغالي ، ولكن خفت أن يفهم أنني أتعالى عليه ، في الموعد ركبنا أنا ومترجمي سيارة سائقنا السوفياتية القديمة وتوجهنا بصحبته إلى الجامعة ، فوجئت منذ أن دخلنا حرم الجامعة بأن كل من نمر عليه يناديه بالبروفيسور ، ظننت أن في الأمر دعابة ، إلى أن أدخلنا حجرته الفارهة في تلك البنايات الإدارية السوفياتية الضخمة العريقة ، جلس على مكتبه وجلسنا أمامه نشرب قهوته ، لقد أكتشفت في يومي الأخير أن سائقنا هو بروفيسور في الجامعة وقد قبل أن يعمل معنا لأنه سيتقاضى منا في اليوم الواحد ما يتقاضاه كراتب من الجامعة في شهر ، خمسة دولارات كاملة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع