المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يحكى أن : الجزيرة .. أول مرة (2)

تم النشر: تم التحديث:

"مـع اشتـداد سعيـر الحـرب، ارتفـعت أسـعـار التـّأميـن فـي الشـّركـات البـريطـانيـّة بشـكل جنـونـيّ حتـّى وصـلت المليـون جنيـه استـرلينـي للمـُهمـّة الـواحـدة. كـان يـدخـلُ مـن ضمـن التـّأميـن إجـلاء الصـّحفي مـن مـكان إصـابتـه بطـائـرة خـاصـّة. جـاءت التـّعليمـات مـن العـضو المنـتـدب لنـُرسـل مـرّة أخـرى مبـعـوثـا مـن لنـدن، لكـنّ مـديـر الأخبـار أعلمـهُ بـأنّ ميـزانيـتـه لا تسمـحُ لـه بتـغطيـةِ تكـاليـفِ التّـأميـن. أجـاب العضـو المنتـدب "أرسل الـصُّـحـفيّ، وإذا مـات، أقيـموا لـه جنـازة محتـرمـة".

لـم يكـن ذلـك هـو الإشكـال الأسـاسيّ، فـالمـوتُ هـو الـمـوت حتـّى إن كـان بالتـّطـوّع، ويمـكـنُ التـّعـويـض للعـائلـة بمبلـغ محتـرم، لـكن مـاذا لـو أصـيب المـُراسـل بعـاهـة تتـطـلّب العنـايـة المـُـركـّزة بقيـّة حيـاتـه وعينـاهُ تنـظُـران؟ لـذلـك رفضنـا جميعـا تحمـّل مسـؤوليـّة أرواح وسـلامـة زمـلائنـا. بحثنـا عـن مـُراسـل عـربيّ مُقيـم في يـوغسلافيـا السـّابقـة، فـوجـدنـا أسـعـد طـه والـذي كـان في ذلـك الـوقت مـراسـلا لصحيفـة الحيـاة في لنـدن. كـانت تقـاريـره عـن حـرب البـوسنـة والهـرسـك مُمـيـّزة."

هذا ما خطه ماهر عبد الرحمان في كتابه "يـوميّـات حـامـل ميـكـروفـون - تدوينـات لأســرار السـّيـــاسـة فـي كـوالـيس الإعــلام" ، وهو يحكي حكاية قناة إم بي سي ، بصفته رئيسا لتحريرها في فترة الحرب في البوسنة عندما ألتحقت مراسلا مستقلا مع القناة ، ويواصل ماهر " هـاتفنـاه لنـستـجلـيَ استعـداده للعمـل مـعنـا، فـوافق. لـم نـكن مُضطـّريـن لشـراء تـأميـن بـاهـض لـه وهـو الـذي أقـام في البـلقـان للـعمـل عـلى مسـؤوليـّتـه.

أنتـج أسعـد أولـى تقـاريـره الإخبـاريـّة لنـا، وكـانت طيـّبـة عمـومـا، لـكن تنقصـهـا الحبكـة التـّلفـزيـونيـّة. جـاءنـا في زيـارة خـاطفـة إلـى لنـدن، وقضيتُ مـعه، أنـا وزميلي بي.جـي بضـعة سـاعـات لتدريبـه نـظـرّيـا علـى إنتـاج القـصـص للتـّلفـزيـون.

لـم أتـوقـّع أن يكـون ذلـك التـّدريب السـّريع جـدّا كـافيـا لأن يُحسـّن أسعـد مـن أدائه، لكن تفـاجـأتُ مـن تقـاريـره اللّاحقـة أنـّه استـوعـب كـلّ كلمـة قلنـاهـا لـه، فتحسّنـت تقـاريـرهُ بشكـل كبيـر وبسـرعـة. اشـتغـل مـُراسلنـا في البـوسنـة لأشـهر طـويلـة ومـدّنـا بقـصـص سـواء عـن الحـرب، أو التحـرّكـات السيـّاسيـّة أو الجـوانب الإنسـانيـّة في الصـّراع. كـان يـأتي إلـى بـريطـانيـا سـريعـا حـتّى يتسلـّم مصـاريف مُهمـّاتـه، إذ لـم يكـن مـن السـّهـل تحـويـل الأمـوال إليـه عبـر البنـوك أو البـريـد في بـلد في حـالـة حـرب، ويـُسلـّم في الآن نفسـه فـواتيـر المُهمـّات السـّابقـة. وفـي خضـمّ تغطيـة نـزاع مسلـّح في ظـروف قـاسيـة، وقلـّة الخـدمـات المُـوفـّرة، وسـعيِ مـن يُـوفـّرهـا ليـصبـح مـن أثـريـاء الحـرب، كـان مـن الطّبيعـي ألّا يحصـُل المـُراسـل دائمـا عـلى فـواتير. كـان يُفتـرضُ أخـلاقيـّا أن تضـع أيّة قنـاة عـلى ذمـّة مـراسلـهـا أو مبعـوثهـا في بـؤرة نـزاع عسكـري، مبلـغـا مـاليـّا إضـافيـّا يُسـأل عن صـرفـه، لـكن لا تتـمّ المُحـاسبـة عليـه، فـمـا بـالـك إذا كـان الـمـراسلُ لا يحـظـى بتـأميـن لحيـاتـه أو حتـّى لعـلاجـه. لـكـنّ مستشـار القنـاة، والـذي كـان هـو نفسـُه الـذي دلّ عـلى أسعـد طـه، مسـك الفـواتيـر واتـّهـم المـراسل بالتـّلاعـب. كـانت طعنـة لنـا كـرؤسـاء تحـريـر قبـل أن تـكون لأسعـد نفسـه. وصـل الأمـر إلـى تجميـد كـلّ أجـور الـرّجـل، فبـقي أسعـد في خصـام شـديـد مـع المحـطـّة والمستشـار الـذي لا يـعرفُ معنـى لـواقـع الميـدان، ولـم يتـمّ حـلّ الإشكـال إلّا بـأمـر مـن المـديـر العـام آنـذاك عـلي الحـديثـي."

لم أكن لأحب أن أخوض في هذه التفاصيل لولا أن ماهر ذكرها ، وفي خضم حكاية التحاقي بقناة إم بي سي ثم مغادرتي يضيف ماهر "أردنـا أن نُنسيـه حـادثـة إنكـار الجميـل التـي صـدرت عـن مُستشـار المحـطّة، فـعـرضتُ عليـه أنـا وزميـلي بـي.جـي أن يُصبـح مـُوظـّفا قـارّا في مهـمّـة مـراسـل مُتنقـّـل لتغـطيـة مخـتلف الأحـداث الـدّوليـّة. ولمـّا جئنـا إلـى أجـره، اقتـرحنـا عليـه مُبـاشـرة أعـلى أجـر يحـصـل عليـه مـراسـل مـن مـُراسلي لنـدن. لكـنـّه رفـض قـائـلا إنـّه لا يـرضى أن يكـون عـلى قـدم المُسـاواة مـع مـراسـِل آخـر، كـان سبقـه في العمل بأم بي سي ببضعـة سنـوات، وتعـلّل بـأنـّه لا وجـه للمقـارنـة بيـن عملـه وعمـل المـراسل الآخـر. بـدأ الأنـا الأعلـى يتحـرّك فيـه، مـع أنـّه كـان مُحقـّا في مـا قـال. لـكن لـم تمـكن الإستـجـابـة لطلبـه ذاك حتـّى لا نُحـدِثَ تـوتـّرا مع المـُراسليـن الآخـريـن بسـبب تـفـاوت في الأجـور. كـان اقتـراحنـا الآخيـر أن نــدفـع لـه أجـوره خـارج بـريطـانيـا حتـّى لا تـخضـع للضـّرائـب، ويـُوفـّر بالتّـالـي حـوالي ثـلاثيـن بالمـائـة إضـافيـّة، لـكنـّه رفـض أيـضـا، وغـادر أم بي سي ليبـدأ العمـل كمُنتـج مُستقـلّ مـع قنـاة الجـزيـرة. قـد يكـونُ عـرضُ الجـزيـرة في يـده وقتـَـهـا وهـو يُـفـاوضُنـا. نفـّذ لاحقـا إنتاج مجمـوعـة مـن البـرامج الـوثـائقيـّة بأسعـار تـكادُ تـكون خيـاليـّة بمقـاييس التـّلفزيـونـات العـربيـّة، حسـدهـا عليـه الكثيـرون. لكـنّ ميـدان الحـرب وظلـم الآخـرين علـّمـهُ الكثيـر."

ماهر بلطف شديد يحاول أن يعبر حقل الألغام ، والحقيقة أنني لم أكن أعيش بالبوسنة وإنما أنتقلت إليها وقت الحرب ، وفي كل الأحوال هذا لا يعفي أي مؤسسة عن أن تتحمل نفقات التأمين ، ناهيك عن أن تدفع المستحقات الواجبة ، وهي بالمناسبة ليست فقط أجوري وإنما نفقات سفر وعمل كامل الفريق ، فقد كنت أتحمل دفعها ثم أقدم بها لاحقا فواتير ، تلك التي سببت مرة هذه المشكلة التي تدخل فيها المدير العام علي الحديثي ، والحقيقة أن هذا الرجل كان يتعامل معي بلطف شديد والأهم تقدير كامل للجهود المبذولة في ساحة الحرب ، وهي أهم ما يطلبه أمثالنا ، بالطبع الأحتياجات المادية أساسية ، لكن صدقوني التقدير الشخصي أهم.

ما حكاه ماهر كان يسيطر علي وأنا أتخذ قراري بالإنتقال للعمل مع الجزيرة ، ولا علاقة للأمر بالأنا الأعلى ولا الأنا الأدنى ، فضلا عن ذلك فقد آلمتني هذه التكتلات التي بدأت حينها تتبلور في إم بي سي ، تكتلات عقائدية ومذهبية وقومية ، وكل تكتل يدفع صاحبه ويدعمه ، فيما أنا وحدي أصر على الأستقلالية التي مازلت أدفع ثمنها وعائلتي حتي الآن ، وحين قررت بيني وبين نفسي الرحيل لم يكن بيدي أي عرض من آخرين ، ولو كان لقمت بإستغلاله والتلويح به قبل سفري في أول مهمة للجزيرة في السودان ، ولكن ما فعلته من أن أبلغ ماهر بإستقالتي من إم بي سي وأنا في الأيام الأولى لأول مهمة لي مع الجزيرة كان ذلك يعني قطع الطريق تماما على أي مفاوضات.

بعضنا لا يفهم بعضنا ، والسبب أن بعضنا لا تشكل المسائل المالية على أهميتها السبب الواحد والرئيس لاتخاذ قرار مصيري ، أنت تريد أن تعمل في أنحاء العالم دون رقيب إلا ضميرك وضوابط المهنة ، وبعضنا لا يستوعب جنون بعضنا عندما يتخذون مثل هذه القرارات الثورية بترك أول قناة فضائية عربية تبث على مدار الساعة من لندن والإنضمام لقناة وليدة تبث ست ساعات يوميا من بلد صغير في الخليج ، وعندما لا يفهم بعضنا قرارات بعضنا يفسر الأمر بأن الأسعار تكاد تكون خيالية ، هل وصلنا يا أبو جاسم ؟

عند بوابة فندق شيراتون أفترقنا على أمل أن يأتيني أتصال قريب ليحدد موعد اللقاء مع سمو الأمير ، الرجل الذي سيسألني مازحا بعد عدة سنوات وأمام الحضور في مهرجان الجزيرة الوثائقي عن سبب تمسكي بالبقاء في دبي ، وهو أيضا الذي سيتحدث تشافز عنه لي كأنه رفيق صباه.

مستشار الرئيس تشافز كان في أستقبالي في مطار كاراكس عندما وصلت إليه عام ألفين وثلاثة ، وفي صالة كبار الضيوف بمطار العاصمة الفنزويلية قال لي "إن الرئيس تشافز يحتفظ بعلاقة مميزة مع سمو أمير قطر ولا أظن أن الأخير سيكون سعيدا إذا ما كان في برنامجك ما يمكن أن يسيئ أو ينتقد الرئيس" ، فهمت الرسالة ورددت سريعا ، لسنا في بعثة رسمية ، نحن في مهمة مهنية ، أنتظرت بعد أن وصلت إلى الفندق إلى أن يحين فرق التوقيت بما يسمح بالإتصال بمدير الجزيرة ، هاتفته : يا أبو جاسم لقد حدث كذا وكذا ، قاطعني ولم يمهلني ، لا عليك من هذا الكلام ، أتم مهمتك بطريقتك ، لا ننتظر منك مدحا ولا ذما، قلت له لا ، سأنقل ما أرى كما هو ، ثم أمدح وأذم.

كنت فعلا مستعدا لمغادرة فنزويلا في الحال إذا شعرت ولو للحظة أن هناك موقف مسبق مطلوب أو متوقع مني ، ولأني أعمل مستقلا فإن هذا يعني خسارة كل النفقات التي صرفت على فريقي تصوير كانا بصحبتي ، لكن الخسارة المادية أهون بكثير من الخسارة المبدئية.

مضت الأيام وألتقيت بتشافز عدة مرات في قصره ، وحدثني كثيرا عن شغفه وحبه للعرب ، في الحوار معه لا تشعر أبدا أنه رئيس ، وإنما صديق يجلس معك على المقهى ويحكى لك ، فيأسرك بحديثه عن الفقراء والكادحين وعن الثورة.

مددت إقامتي بفندق شيراتون في إنتظار مكالمة تحدد موعد لقاء الأمير ، غير أني كنت متحمسا للغاية للسفر وأستكمال مهمتي التي أتفقت بشأنها مع الجزيرة ، كنت مثل مراهق لا يرى من الحياة إلا وجه حبيبته ، وكل ما خلا هو إضافات لا حاجة لها ، كطفل صغير يدق الأرض بقدميه ويقول ، أريد أن أسافر ، أريد أن أصور ، دعوني من فضلكم أن أذهب إلى الحرب !

بقيت ثلاثة أيام في إنتظار الموعد ، قال لي أبو جاسم معتذرا سمو الأمير خارج الدوحة ويؤمل أن يعود قريبا ، فسألته في يومي الثالث ، ما رأيك لو قمنا بتأجيل اللقاء إلى أن أعود المرة المقبلة ، كلما تذكرت ذلك ضحكت ، الناس ينتظرون الأمراء والملوك ولو لشهور ، وأنا أتعجل السفر والعمل وأسعى لتأجيل الموعد.

بالطبع شعرت في عيني المدير العام للقناة شيئا من الدهشة لموقفي غير المفهوم ، لكن أتفقنا أن أنتظر يومين أو ثلاثة لا أذكر ، فإذا لم يعد الأمير أسافر ويؤجل اللقاء ، وبالفعل أنتظرت ولم يأت ، وأبلغت أبا جاسم أنني أسافر في التاسعة مساء.

أعددت حقيبتي وأرتديت ذاك الجاكيت الخفيف الذي يرتديه الصحفيون بجيوبه المتعددة ، وانطلقت مع صديقي مجدي لشراء بعض الحاجيات وقد بات أمامي ثلاث ساعات قبل التوجه إلى المطار ، لكن اتصالا وصلني غير كل شئ.

بصحبة الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة توجهت إلى حيث اللقاء في قصر الأمير ، منذ أن ركبت سيارته وحتى دخلنا القصر لم يقم أحد بتفتيشي ، جلسنا في غرفة كبيرة ، أنتظرت من يدخل علينا ليبلغني بالمراسيم والتعليمات ، غير أن ذلك لم يحدث.

دقائق قليلة وفتح الباب ليدخل سمو الأمير الذي ضحك كثيرا على هذا الجاكيت الذي أرتديه وكأني ذاهب إلى منطقة الحرب وليس إلى لقاء أمير ، وكان ذلك بداية لطيفة حطمت الصورة التقليدية للقاء رسمي كما كنت أتوقع ، بداية فتحت حديثا طويلا عن ظروف العمل في مناطق الخطر وتجربتي في البوسنة والآمال المعقودة على الجزيرة ليتطرق الحديث في النهاية إلى ما أشتكى منه من تعاملات النظام المصري في عهد مبارك.

البساطة التي جرى بها الحديث أغرتني كثيرا وأوقعتني في حبائلها ، ولاحظت أنني كنت أخاطبه بحضرتك وليس صاحب السمو ، الرجل له ما له وعليه ما عليه ، لكنه حرك بقناته الدنيا وأقامها ولم يقعدها ، وأكتشفت أن هذا اللقاء منحني دفعة قوية للعمل بحماس منقطع النظير وأنا مازلت حديث عهد بالجزيرة ، وسوف أتذكر ذلك جيدا عند الحديث عن "الجزيرة .. آخر مرة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.