المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسعد طه   Headshot

يحكى أن : الجزيرة .. أول مرة (1)

تم النشر: تم التحديث:

فتحت الخريطة بحثا عن موقع دولة أنوي التوجه إليها، أعلم أن مساحتها صغيرة، وأعلم أنها بمنطقة الخليج العربي، لكن لم أكن أعلم أنها بعد عدة سنوات ستكون ملء أسماع وأنظار العالم.

بعد أن أنهيت عملي في تغطية الحرب في البوسنة والهرسك التي بدأت عام اثنين وتسعين وانتهت بنهايات عام خمسة وتسعين، قضيت بعض الوقت في إعداد برامج عن حال البلد المكلوم بعد الحرب، وكذلك عن بعض البلاد البلقانية الأخرى، في ذلك الوقت كانت خارطة الإعلام العربي تتغير بسرعة، ومؤسسات إعلامية جديدة تنشأ، وحتى قناة إم بي سي التي كنت أعمل لصالحها كصحفي مستقل ومعدا ومقدما للبرامج ، حتى هي كانت أيضا تعيد تنظيم نفسها.

كان المنطق أن أستثمر ما قدمته لهذه القناة على مدى سنوات الحرب المريرة في تعزيز موقعي فيها ، وهي التي كانت أول قناة فضائية عربية، خصوصا وأن الإدارة قد بادرت بتقديم عرضها لي للانضمام إلى مركزها الذي كان آنذاك في لندن، حدثتهم عن حلمي ووعدتهم بالتفكير.

في البوسنة التقيت بالعالم كله عبر صحفييه وإعلاميه، وقد شاهدت أنماطا من الناس وثقافات وعادات مختلفة ولذا عزمت إنْ بقيت حيا بعد الحرب أن أذهب بنفسي إلى بلادهم التي أتوا منها، كنت أريد أن أسافر إلى العالم كله، أتحسس أوجاعه، أؤدي دوري وأستمتع، وأراجع أفكاري وأنظر في عوالم الآخرين.

كانت طموحاتي المهنية كبيرة جدا، وكانت مؤسسة إم بي سي تكبر بسرعة، غير أن الخلافات الداخلية بين صغار الموظفين كانت أيضا تكبر وتشتد، وقد وجدت أنني لا يمكن أن أكون بمأمن منها، وأن قبولي بالعرض -الذي كان متواضعا في حد ذاته- سيدفعني دفعا في هذا السياق وهو ما لا أرغب به.

كانت الخيارات التي أبحث فيها متعددة، ولأن حساباتي تعتمد إلى حد كبير على ما يميل إليه القلب فقد قررت ألا أكتفى بالتواصل عبر الرسائل والمهاتفات بالمعنيين في هذه الخيارات، ولكن السفر بنفسي وعلى نفقتي الخاصة لزيارة هذه المؤسسة أو تلك، أرى بعيني، وأحس بقلبي، وأقرر مع من أكمل المسير.

وقد بدأ الأمر في لندن حيث التقيت بعدنان الشريف الذي كان مساهما رئيسيا في إطلاق قناة الجزيرة، وأذكر أنني اجتمعت به في نهاية أغسطس من عام ستة وتسعين، قال لي أنه في الأغلب سيبقى في لندن وشجعني على التواصل مع الزملاء في الدوحة "الذين سيرحبون بك كثيرا وسيقدمون لك ما تتمنى من تسهيلات لتنفيذ ما تتمنى من عمل".

وصلت إلى الدوحة في أكتوبر قبل حوالي شهر من إطلاق القناة، وجدتها مدينة صغيرة للغاية، بسيطة للغاية، فندق شيراتون والبحر أحلى ما يمكن أن يكون بها حينذاك، وفي اليوم التالي توجهت إلى القناة التي أبلغ وصف لما كانت عليه حينها هو وصف حسني مبارك، علبة كبريت.

زملاء كثر يشتغلون بحماس شديد، فيما أهل القرار في البلد منقسمون، بعضهم يرى أن الجمهور العربي لن يأبه مطلقا لقناة إخبارية تبث على مدى ست ساعات في اليوم، وآخرون يراهنون على مشروع إعلامي طموح وجديد في المنطقة وغير مسبوق، مشروع سيقدم بديلا عربيا عن الإعلام المستورد وعن الإعلام العربي الرسمي.

الدوحة كانت المحطة الثانية بعد أبوظبي في زيارتي الأولى للخليج، ورغم لطف الناس في الإمارات إلا أنني كنت مازلت متخوفا مما سمعته عن استعلاء الناس في المنطقة وأسلوب تعاملهم مع العاملين لديهم، محمد جاسم العلي مدير القناة كان كفيلا بالإطاحة بكل هذه التخوفات، بعد خمس دقائق من الحديث معه.

أبو جاسم جمع بين الأخلاق والمهنية، أمثال هؤلاء يختصرون عليك نصف الطريق، سألني عما أرغب به، قلت لا أريد أن أشتغل موظفا، لكن أرغب في أن أكون معكم صحفيا حرا مستقلا، أعد تقارير إخبارية من مناطق الحروب والأزمات، وأعمل على برنامج شهري، طرحت عليه عدة أسماء له لكنه اختار "نقطة ساخنة".

سألته هل فعلا ستكون الجزيرة قناة إخبارية متخصصة متجردة من الصيغة التقليدية والتبعية للحاكم؟ رد واثقا بالإيجاب، واصلت التساؤل، ألن يكون خبر الأمير هو الخبر الأول؟ نفى بشدة، وقال إلا إذا كان خبرا يتصدر نشرات الأخبار العالمية لحدث ما، بصراحة تشككت في الأمر، قال لي أن الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة يريد استقبالي، أٌصاب بالتوتر جراء اللقاءات الرسمية، كان كل ما أريده هو التوصل إلى صيغة عمل مناسبة لي وكفى.

بأدب وتواضع شديدين، عبر الرجل عن تقديره لما فعلت في حرب البوسنة، وأعتبر انضمامي إلى قناة الجزيرة مكسبا كبيرا لها، سررت بالأمر بالطبع، الغريب أن هذا الرجل ومنذ أن عملت بالجزيرة إلى أن غادرتها في إبريل عام ألفين وثلاثة عشر لم يتغير في سلوكه المهذب وتواضعه مع كل من حوله بغض النظر عن مناصبهم.

بقيت أياما قليلة في الدوحة، أذهب إلى الجزيرة كل يوم، في الحقيقة كانت معنوياتي تتأرجح بين بشائر أرصدها وبين تخوفات تقلقني ، فكيف لدولة مثل قطر أن تغامر بهذا المشروع؟ وكيف لها الصمود؟ وكيف أترك ما فعلت في قناة إم بي سي التي ترعاها دولة كبرى في المنطقة - كما قال صديقي العزيز وزميلي في الإم بي سي (ف)- لأنضم إلى " علبة كبريت"؟

قدمني محمد جاسم إلى الزميل (س)، رئيس غرفة الأخبار، وهو ليس قطريا، عاملني الرجل بخشونة ، كان يحدثني وهو يتظاهر بالكتابة وكأنه مشغول للغاية، سألني أسئلة مستفزة لشخص قضى أربع سنوات في تغطية الحرب، ما المزايا التي كانت تمنحك إياها إم بي سي؟ أكنت تركب الدرجة السياحية أم درجة رجال الأعمال؟

كان حلمي يتجاوز هذه السفاسف، كنت أرى مشروعا إعلاميا عربيا فريدا على وشك الولادة، فهل أخطأوا في توظيف هذا الرجل، أم أنهم غير جادين؟ استبد بي الغضب وقررت أن أغادر القناة في الحال، حملت حقيبتي وخرجت من عنده عازما على التوجه إلى الفندق ومنه إلى المطار والعودة إلى لندن في هدوء ودون إبلاغ أحد.

كنت في الطريق إلى خارج مبنى القناة حين قابلني صدفة محمد جاسم، سألني عن نتيجة الإجتماع مع السيد (س)، سبقت إجابتي ملامح الغضب المرسومة على وجهي فأدرك الرجل الأمر، وشرحت له أنني هارب من المشاكل ولن أدخل في صراعات مع أحد، أبتسم وقال لي هون عليك، الأمر ليس كذلك، والرجل ليس لديه صلاحيات واسعة.
قضيت بعض الوقت معه، أزال عني الضيق، ودخلنا في بعض التفاصيل، واتفقنا أن أعود إلى لندن وأنتظر حتى يرسلوا لي عرضهم، وبالفعل وبعد أيام قليلة وصلتني موافقتهم على كل ما طرح في لقائنا.

في الأول من نوفمبر جلست في ردهة بيتي بلندن أنتظر بدء بث قناة الجزيرة للمرة الأولى، كنت قلقا جدا كأني أحد مؤسسيها، وفي الموعد خرج جمال الريان ليكون المذيع الأول في نشرة الأخبار الأولى للقناة.

مر حوالي أسبوعان، اتفقنا خلالهما أن تكون السودان بحربها الدائرة هي وجهتي الأولى، فهمت من شركة السفريات أن رحلتي من لندن إلى الخرطوم ستكون بواسطة الخطوط القطرية وعبر الدوحة، ولأن الطائرة تصل العاصمة القطرية مساء، ولأن فترة الترانزيت طويلة، فإن شركة الطيران سوف تتكفل بتأمين خروجي من المطار إلى الفندق والعودة في الصباح إلى المطار للتوجه إلى الخرطوم.

وصلت الدوحة بعد حوالي ثماني ساعات سفر متعبة ، بقيت في المطار أنتظر موظف الشركة الذي أستلم مني جواز السفر لتأمين خروجي مع ركاب آخرين بمثل حالتي، طال انتظاري ثم عاد لي خجلا ليخبرني أن ضابط الجوازت رفض دخولي أنا بالذات. ذهبت مع الموظف إليه، حدثني بجفاء وقال لي لقد سمحنا لك بالدخول قبل أسبوعين لكن لن نسمح لك هذه المرة، وحاول موظف الطيران عبثا أن يحل المشكلة، وفهمت أن غضب الضابط إنما يعود إلى تدهور العلاقات المصرية القطرية حينها. أمضيت ليلتي في المطار، وكنا في شهر رمضان إلى أن حان موعد الطائرة صباحا.

في الخرطوم أرسلت إلى الزملاء في إم بي سي بلندن أخبرهم أنني عزمت على مغادرة القناة، غضب الزميل العزيز ماهر عبد الرحمن المسؤول حينها غضبا شديدا ، فلم يكن يتوقع ذلك، فقد كان المتعارف عليه حينها وربما حتى الآن هو الأتفاق مع جهة عمل جديدة والتفاوض مع جهة العمل الحالية للحصول على أفضل عرض مادي ، ولأنني لا أجيد ذلك فقد فعلت ما فعلت ، وذلك رغم إنني أثمن كثيرا تجربتي الطويلة في قناة إم بي سي ، وفرص العمل التي منحت لي ، ولعلي يوما أكتب عنها

بعد أن أديت مهمتي في الخرطوم، عدت إلى لندن ومنها مرة أخرى إلى الدوحة، للتفاوض حول أمور أخرى، لكن محمد جاسم فاجأني بإبلاغي أن سمو الأمير يدعوني لزيارته في قصره.

كنت في سيارته في طريق الكورنيش وهو يبلغني الأمر وأنا لا أعلم ماذا أفعل في هذه الورطة، لا أحب هذه الرسميات، ماذا يجب علي أن أفعل خلالها، وماذا يجب ألا أفعل، وما هي الإجراءات والمراسم، فضلا عن أمر آخر خطير، كنت مترددا في التعبير عن مخاوفي بشأنه مع أبي جاسم، ظللت أحوم حول ما أريد أن أقوله حتى ضاق بي الرجل وقال "يا عم أسعد اعتبرني أخوك، قولي بس أنت عايز إيه بصراحة ومباشرة"، قلت له "بصراحة ومباشرة أنا صحفي بسيط على قد حالي وبس"، قال "يعني إيه وضح أكثر"، قلت له "يعني بصراحة أنا لا أقبل هدايا".

انفجر محمد جاسم في الضحك، وقال ليس في هذا العهد هذه الصفة، فقد كان المتعارف عليه أن بعض الصحفيين يتلقون الهدايا من الملوك والأمراء لقاء تبعيتهم له. ظل أبو جاسم طوال الطريق يصمت ثم يضحك، وهو يقول "كلامك كان يوحي بالعكس"، فقلت له "نعم أنا صحفي غلبان بسيط لا أسعى إلا إلى أداء مهنتي، ولكن متى الموعد يا أبا جاسم وأنت تعلم أني لابد أن أسافر لأكمل العمل"، قال "انتظر في الفندق وسنبلغك متي يكون اللقاء مع سمو الأمير"، وفي ذلك حكاية أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.