المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أروى محمد نجيب  Headshot

عم صبري.. صانع المعروف

تم النشر: تم التحديث:

اعلم أن أسوأ أنواع التكريم هي التي تأتي بعد الرحيل، وأن رسائل المدح وعبارات الثناء لا تنفع ولا تشفع إذا كان صاحبها في مثواه الأخير.

و لكن عزائي الوحيد مقولة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ومقولة شيخنا الجليل ابن عثيمين: "الموت لا يعني فراق الأحبة، الموت يعني فراق العمل الصالح"، فأحببت أن أنقل ذلك العمل الصالح في تلك السطور القليلة القادمة؛ لتكون صدقة جارية له ونحسبها رصيد حسنات لا ينفد.

"صبري" أتى ذلك الصبي إلى الحياة بعد عدة زيجات من أب صعيدي رغب أن يكون له طفل ذكر يحمل اسمه، ويكون سنده كعادة أهالي الصعيد، فرزق بذلك الطفل، وقال له: "أنت آخِرة صبري".

ومن المثير حقاً أن تكون تلك تسميته تلك بالفعل حياته تتأرجح بين (ابتلاء وغنى وفقر ومِحَن وصبر).

توفي والده وهو في سن صغيرة، فاضطر للعمل ليعول أسرته وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، تقلب خلالها في مهن وحرف عديدة حتى صار يعمل مفتش اتصالات، مُنح منحة للسفر لأميركا، ولكنه رفضها لمراعاة أسرته.

تزوج من أرملة لديها 6 أبناء بنيّة تربية أيتام فصار أباً وعائلاً لاثني عشر شخصاً.

سكنه الخير عندما كان عمره بين الحادية عشرة والخامسة عشرة، كان والده يعمل مقاولاً يشرف على الفلاحين فذهب إلى الجامع، فوجد أن دورات المياه كلها لا يوجد بها سوى كوز واحد (إناء ماء).

يضطر معه الشخص للانتظار حتى ينتهي الآخر أو الخروج لملء ماء من (الزير) أو الإناء الرئيسي ويعود وهو أمر شاق جداً.

فعندما عاد للمنزل قام بجمع صفائح الجبن والسمنة من القمامة، وعمل أكواباً وقام بتوزيعها في دورات المياه.

شبّ صبري واشتد عوده، ولأن عمله كمفتش اتصالات سلكية فرض عليه كثرة السفر والترحال، جاب خلالها مصر من أقصى الشمال إلى الجنوب، ومن شرقها إلى غربها بمدنها وقراها ونجوعها، أتاح له ذلك فرصة الاقتراب من الناس أكثر وبالأخص الفقراء، وجد أن أغلبهم يعانون من نقص المياه واضطرارهم للمشي لمسافات طويلة لملء القوارير والبعض يلجأ إلى الترع للاغتسال وغسل الأواني.

فقرر بما يملك من المال القليل أن يساهم في إدخال المياه الجوفية ومد مواسير لتلك البيوت، بالإضافة إلى أن بعضهم لا يمتلك دورات مياه فهي مجرد حفر في الأرض بلا باب أو ساتر. فحكى لأصدقائه، وكتب في بريد الأهرام عن أوضاع تلك الأسر، فقام البعض بمعاونته والمساعدة في بناء دورات المياه لمئات الأسر.

ذاع صيته بين أصدقائه حتى وصل إلى العديد من المثقفين والقنوات التلفزيونية، فكانوا يأتون له بالأموال ويعطونها له فكان يرفض ذلك تماماً، ويطلب منهم الحضور؛ ليروا بأنفسهم ويقدموا المساعدة.

(سياسة المساعدة) من يعرف "عم صبري" يعرف جيداً أن له طريقته الخاصة والمختلفة في تقديم المساعدة، فهو يرفض إعطاء المال للمحتاج أو أن يسمع عن شخص فقير فيخرج ما في جيبه، فهذا مبدأ مرفوض بتاتاً، فماذا كان يفعل؟!

في التسعينات علم أن أسرة فقيرة جداً في إحدى ضواحي القاهرة.

ثروتهم الوحيدة في الحياة ملابسهم التي يرتدونها، ذهب إليهم بشكل مفاجئ فوجد أسرة مكونة من أب وأم وأطفال، يسكنون في عشة الأب الذي لا يعمل، فبدأ في جولة في العشة فوجد بها "قدرة فول" قديمة ومهملة، فسأل عنها، فقال الأب: إنهم كانوا يصنعون الفول قديماً ويبيعونه، ولكن مع ضيق الحال توقفوا، فأخذ القدرة وبدأ في تنظيفها وأعطى السيدة مبلغ 15 جنيهاً كدين لتشتري كيلو فول وزيت وتبدأ في "تدميسها" وبيعها.

وطلب من الجيران أن يشتروا منهم وتركهم على وعد منهم بتسديد الدين.

تمر السنوات وهو يمشي يسمع من ينادي عليه ويأخذه بالأحضان ويقول له ألا تتذكرني؟ فيرد عم صبري: "أعتذر مش واخد بالي"، يرد الرجل: أنا إبراهيم ساكن العشة، لماذا لا تسأل وتتصل عليّ؟ فيرد عم صبري على استحياء: "ولكني لا أملك رقم هاتفك".

فيرد الرجل: "هذا رقمي وإذا لم تجدني اتصل على موبايل زوجتي"، ثم سرد له كيف أن الله قد فتح عليه، وكبر مشروع الفول، وبدأوا في صنع الفلافل وتحسنت أحوالهم كثيراً.

كان فقيراً يساعد الفقراء وعائلاً يعول كل محتاج، فكان معظم القرى التي يذهب إليها يشتري بذور وشتلات للخضراوات والفاكهة ويزرعها في الطريق، وبجانب البيوت ويقول هي سبيل ليأكل منها الجميع و يسترزق منها الفقراء، ويأكل منها
العمال وكل من لا يجد طعاماً.

حتى "القراءة" عشقه القديم، لم يستأثر بها لنفسه فكان يحمل بعض الكتيبات ويتركها في المحطات والأتوبيس أو أماكن الانتظار؛ ليقرأ من ينتظر أو يتسلى.

الجرائد أيضاً لها دور بالأخص في الشتاء، كان يعطيها لعمال النظافة أو أي نائم في الشارع لينام عليها، بدلاً من الأرض الباردة؛ حيث تساعد على التدفئة.

سمعته قبل وفاته يتحدث مع سيدة في الهاتف ويقول لها: ادفعي نصف الجمعية وسأدفع النصف الآخر، ولا مانع ستكون ديناً عليك سدّديها وقت ما تريدين.

توفي عم "صبري" ووجدنا في جيبه شاهداً عليه، عثرنا على "باكو بسكويت" قديم، وخلف ذلك البسكويت عشرات القصص أذكر منها أنه كان حريصاً على الشراء من البائعين الجائلين في الشارع والباصات حتى بائعات البقدونس من باب
مساعدتهم دون إحراج وتشجيعهم على الكسب الحلال من عمل اليد، ثم يقوم بتوزيع تلك الأشياء على شخص آخر محتاج أو أطفال أو كبار يدخل بها السرور على قلوب الجميع.

رحل عم صبري، وأجمل ما في رحيله أولئك الغرباء الذين لم يكتفوا بالعزاء، ولكن أخرجوا صدقات عن ذلك الغريب الذي عاش بكرامة ومات بكرم الله ورحمته .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.