المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أروى الطويل Headshot

دبدوب أيوب

تم النشر: تم التحديث:

قبل عام، وفي جلسة مع طبيبي النفسي، سُئلت: هل سمعت من قبل عن الـ"Submission" - الخضوع؟ هل جربتيه؟ ضحكت وقلت: سماع وسمعت، أما التجربة فلا بالطبع. قال الطبيب: أنا متأكد أنه لم يمر بخاطرك حتى، وهي مهارة لا بد أن تتعلميها عاجلاً.. قال: تعلمي الخضوع للألم، تعلمي الخضوع لبعض الناس، أن أترك بعض الأشياء تمر فوقي بلا مقاومة.. عانت أمي لسنوات طويلة، ولربما قاست مع فتاة لا تعرف إلا "لا"، كانت أول كلمة نطقتها هي كلمة الـ"لا"، ولربما لو عددت الكلمات التي قلتها لتفوقت كلمة الـ"لا" بأضعاف قياسية عما سواها، عرفت التمرد على كل شيء منذ صغري، ولربما تمنت أمي أن أكون -رجلاً- لأنها رأت مني من إعلانات العصيان والانقلاب والتمرد ما لم ترَه من إخوتي الذكور - مسكينة يا أمي أنا آسفة - أما النساء من حولي فقد أعلن وصرحنّ عددً لا نهائي من المرات عن فشلي الأكيد "إن تزوجت"؛ لأن فتاة لها لسان ينطق بالـ"لا" أكثر من الـ"نعم"، حياتها الزوجية مدمرة بالتأكيد، ولا مستقبل لها، من وجهة نظرهن.

خلال العام المنصرم حاولت - محاولات متعددة - أن أتعلم الخضوع، لكنها كانت محاولات غير حقيقية، تخرج أروى من داخلي، وتئد كل محاولاتي، وفي كل الأحوال لم تكن محاولات جدية، أنظر لكلمة الخضوع نفسها بقرف واشمئزاز فكيف أعتادها؟!

عشت حياتي كلها في صراعات مختلفة وتحدٍّ دائم، ثم دخلت بوابة السياسة فعانق تمردي ما تطلبه السياسة حتى طلقتها قبل أربع سنوات.. في دورة الحمل والولادة والرضاعة الطبيعية تخبرنا الطبيبة التي تخرجت في أكسفورد عن ضرورة الخضوع للألم، والاستسلام لله، وأن الولادة على صعوبتها فإنها تتيسر كثيراً حين تخضع النساء للألم ولا تقاومه ولا تعاديه، تخبرني بهذا وأنا التي اتخذت منهجاً في حياتها أن تعادي كل ما يؤلم، لا أفهم ما تقوله تماماً؛ لأني داومت على إعلان العداء للخضوع لأي شيء وكل شيء، أتذكر المرة التي احتار فيها الطبيب التركي، وتردد بخصوص تشخيصه عما إذا كنت أعاني من الزائدة الدودية أم لا، وقال لي: لا تصرخين من الألم.. ألم الزائدة الدودية غير محتمل.. أتذكر المرات التي لا تعد ولا تحصى التي وقفت فيها وأنا أقول إنني بخير وإنني لست متألمة، وإنه ما يؤلمني لا يؤلم، أحملق في عيني من يحدثني، وأنكر آلامي بكذب صادق مثير للدهشة.

أعرف أنني أتألم، ولكني أنكر بأريحية تامة، أصدق كذبي وأكمل حياتي بشكل طبيعي، ثم أندهش بعد ذلك بألف خراج نبت في قلبي وأزعم أنه بلا سبب.. ولد ابني أيوب في الأول من مايو/أيار وتوفي في العاشر من مايو، عشرة أيام فقط، تلقيت فيها أهم دروس حياتي القصيرة -٢٧ عاماً- وتعلمت فيها بهدوء وبقسوة بالغة معنى الخضوع للألم، ومعنى العجز الحقيقي الذي يؤدي للخضوع الصامت.

ولد أيوب كطفل خديج في الأسبوع الـ24 وبوزن طفل في الأسبوع الـ20، في الأيام الأولى وضع أيوب في الحضانة داخل العناية المركزة، صندوق زجاجي محكم الإغلاق تصل إليه الشعيرات المغذية من كل اتجاه، وضع أيوب بلا ملابس، لم يكن ظاهراً في كل الأحوال، فقد اختفى تحت الأنابيب، تذكرت الدولاب الذي امتلأ بالثياب الفاخرة التي حرصت على انتقائها من ماركات محددة، فهذا قطن خالص أورجانيك، فلا تمس بشرة الطفل أي مما قد يضره، عندما اشتريت الثياب لم أفكر أن أول ما سيمس بشرة طفلي لن يكون القطن الأورجانيك، بل البلاستيك والحقن والأشرطة الدقيقة التي تدخل لحلقه ومعدته ورئتيه.


درس أول في الخضوع للألم البالغ، وترك الألم يمر فوقي بلا مقاومة.. فمن أين تأتي المقاومة؟ في دورة الحمل والولادة والرضاعة، أجبر زوجي المسكين على الحضور؛، كي يعرف كيف يجب أن يسير كل شيء داخل غرفة الولادة، الحبل السري يجب ألا يقطع حتى يتوقف عن النبض، والطفل يجب أن يوضع علي جسدي؛ لأن الـSkin to skin تقنية معروفة لمستقبل الطفل النفسي فيتعرف علي ويعرف بوجودي فلا يشعر بالغربة، وطبعاً يجب ألا يستحم أول يومين، نكتفي بمسحه بفوطة نظيفة مع ترك يديه ليعرف نفسه ورائحته، ويتعرف عليّ، ينهدم كل شيء بمجرد الميلاد فلا حبل سري ولا skin to skin ولا استحمام بالطبع؛ لأن جسده لا يحتمل.. وثمانية أيام من البعد القاسي بلا لمسة حتى سمحت الطبيبة بفتح جزء من الحضانة،

وبعد تعقيم شامل مرة واثنين أدخلت يدي ولمست طرف إصبعه والتصقت رائحته بي لساعات، ومر فوقي قطار الألم للمرة الثانية وتعلمت الخضوع للألم والقسوة والدنيا من جديد.. في اليوم الخامس في الحضانة، غطت الممرضة أيوب ولأول مرة بدبدوب.. "كوفرته" خفيفة وفي جانبها رأس دبدوب، كان رأس الدبدوب أكبر من رأس أيوب، ولذلك أسندوا رأس الدبدوب على قطعة من الشاش لتكون قريبة من أيوب بما يكفي، في بعض الزيارات كان يمد يديه شديدة الدقة ليمسك طرف أذن الدبدوب.. فكانت لمسة أيوب لدبدوبه منحتي وجائزتي وبلسم آلامي، أن يجد وسط كل هذا الألم ما يمسكه غير البلاستيك، أن يجد أذن دبدوب ناعم يمسكه فيوقف بكاءه الصامت.. إن الخضوع للألم - أو لسواه- لا يعني الضعف أمامه أو الانهيار،

بل يعني القبول بوجوده، والقبول بضعفنا الإنساني، القبول بأننا بشر، وأن الألم ملازم لنا، ما دمنا على قيد الحياة، الخضوع للألم يعني أن نكتشف في أنفسنا قوة جديدة لم نعرفها من قبل، ونكتشف أن عزاءنا قد يكون في دبدوب صغير يوضع بجوار طفل صغير؛ ليكون عزاءه في محنته، إن الخضوع يعني أنه ما زال في قلوبنا مساحات شاسعة ما زالت بكراً كنا نظنها قد بارت وفقدت كل إنسانيتها، إن الخضوع يعني أنه ما زال في قلوبنا مساحات للحزن بعد أن ظننا أننا قد رأينا كل شيء وخبرنا كل الألم، فتخبرنا الدنيا أن آلامها لن تنتهي ما دمنا هنا.. إلا أنه كما يصحبنا الألم، قد يصحبنا دبدوب يخفف عنا ما رأيناه وعشناه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.