المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أروى الطويل Headshot

ما فعله الدم بقلبي

تم النشر: تم التحديث:

أفتح الفيس بوك لتصطدم عيناي بصورة لرجل نائم بهدوء، مسجى برفق فوق السرير ويبتسم.. ومن تحتها التعليق "الشيخ فلان الفلاني ميتٌ مبتسم".. أشعر بالفزع أين احترام حرمة الموتى؟!

أأكمل التصفح لأجد صورة لطفل- أو ما كان طفلًا- على شكل أشلاء... أو أيد مقطوعة أو قلوب متناثرة أو رؤوس مثقوبة أو أشكال لصور تعذيب أو قتل أو مظاهرات مفرقة بالقوة أو غيرها مما تعرفونه بالتأكيد ما دمت تقرؤون هذه التدوينة باللغة العربية!

يشمئز قلبي ونفسي.. أشعر بالهشاشة المطلقة والغثيان.. كيف يحتملون؟ كيف يستلذون بنشر هذه الصورة ألا تتأثر قلوبهم وعقولهم؟ كيف يربون أولادهم على احترام الدم؟ واحترام الإنسان وهم يرون كل يوم ما يخالف ذلك؟

هذا هو الواقع نعم.. لكن ألا يكفي أن نحفظ اتزاننا النفسي وجهازنا العصبي من المزيد من الخلل ما دمنا نعيش في واقع هابط مليء بالدم والتفجيرات؟

تقول الأبحاث المتعلقة بالتسويق والإعلام- وهو ما أعرفه بحكم تخصصي- أن الصورة الحلوة تحكي أكثر وأفضل من الصورة البشعة... أن تحكي قصة لطفل قتل أو شاب ذبح وتضع صورة له وهو بكامل قوته وجماله خيرٌ ألف مرة من صورته بجمجمة مثقوبة أو عين مفقوءة أو قلب خرج من الصدر..

الصورة الحلوة تحكي قصة الحياة، والصورة البشعة تحكي قصة الموت.. والموت كما تعرفون لا يحبه أحد.. أبداً..

كتبت هذا الكلام على صفحتي الشخصية على الفيس بوك إلا أن إحدى الصديقات قالت هذا هو الواقع يجب علينا أن نوثقه ونوقظ الناس لينتفضوا من أجل الحرية.. لكن الصديقة المسكينة لا تعرف أن هذا الإيقاظ لن يحدث... تعاف النفس مثل هذه الصور ويخاف العقل من المصير المنتظر..

هل نصبح أقوى عندما نرى الدماء كل يوم؟ والأشلاء في كل لحظة؟ والانفجارات في كل ساعة ؟!لا أظن! بل مستحيل..

خلقنا الله على الفطرة.. بنفس سوية.. تشمئز من منظر الدم..

أولئك الذين يشاهدون هذه الصور باستمرار هل تظل نفسيتهم على سوائها النفسي؟ عندما يرون فيديو صغيراً لداعش، وهي تقتل أستاذاً جامعياً ذبحًا، هل سينكرون ذلك عليها؟

هل يجب علي أن أقطع علاقتي بكل الأصدقاء لكي لا أرى كل هذا الدم؟.. حسنًا سأعترف يبدو أن هذا هو الحل...

لأن صديقتي قتلت برصاصة مباشرة في رأسها أثناء أدائها عملها الصحفي وصديقتي الأخرى الطفلة- ذات ال ١٧ عامًا- قتلت برصاصة في الرئتين وصورت آخر لحظاتها وهي تنزف وتقول "الله الله"، زوج صديقتي قتل برصاصة مباشرة في المخ وترك لها ثلاثة أطفال... زوج صديقتي الأخرى وأخوها قتلا في نفس الأسبوع برصاصتين في مكانين مختلفين ( الصدر والرأس)... صديقتي العراقية قتل شقيقها في تفجير ... وصديق عراقي آخر قتلت أخته في قصف وحمل رأسها وحيدًا- إذ إنه لم يجد غيره- ودفنه.. وكف من بعدها عن أكل اللحم.. إذ يعيد إليه اللحم ذكرى اللحوم المحترقة التي مرت عليه.. والتي كانت وللأسف بشرية... هل أحكي المزيد؟ للأسف يوجد الكثير من الحكايا التي يمكن أن أحكيها من العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر والإمارات وكلهم أعرفهم معرفة شخصية وثيقة ألمهم ألمي وحزنهم حزني!

أتوقف في الشارع ولا أعرف أين أذهب، كل هذا الدم الذي يحيط بي.. دم مجنون لا يوقفه أحد ولا يمكن إيقافه... كيف يمكنني الهروب أو منع المزيد من الانسكاب؟

أغلق حسابي أحياناً كيف أهرب ولكن الأخبار ستصل لأنها يجب أن تصل.. ولكنني على الأقل لن أراها رؤية العين..

أرجوكم.. كفى دعشنة لقلوبكم.. لأنه ربما لو حافظنا عليها لتمكنا من تربية جيل "قد" يوقف كل هذا الدم..