المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أراكة عبد العزيز  Headshot

رسائلُ دوستويفسكي إلى الشاعر أبولون نيقولافيتش مايكوف "1"

تم النشر: تم التحديث:

arakah

كان الروائي الروسيّ فيودور دوستويفسكي.. أحد أكثر الذي تركوا فيَّ إلى جانب المسيري وطه عبد الرحمن أثرهم القوي على ذاتي.. وما زلتُ أشرعُ حتى اليوم في قراءة أعماله والارتواء منها، ليس مرة واحدة.. وإنّما شيئاً فشيئاً.. طمعاً في أن أترك للروح ترياقاً إن ضاقت بها الأيام.. فإنّ من قرأ لهذا الرجل، يجده ما زال رُغم عُمر الرحيل الطويل أكثر من يُتقن لمس الروح برقّة لا تُضاهى.. وإن الأدب الذي خلّفه لهو المزيجُ الحقُّ بين الأدب والفلسفة وحتى السياسة.. إنّ للإنسان في ما يقرأه في أعمال فيودور دوستويفسكي.. دروساً للحياة والأخلاق.. يُدركها القارئ من المرّة الأولى.. وتتعمّق فيه شيئاً فشيئاً حين يُعيد القراءة والتأمل واستخلاص الفكرة الأعمق من روائع دوستويفسكي..

و في تتبّعي لكتب كُتبت عن هذا الروائي العظيم.. وجدتُ كتاباً نادراً، على شبكة الإنترنت.. لم يكن على مغلّفه أي عنوان.. لكن في تصفّح صفحاته، كان العنوان مكتوباً بخطّ أقرب إلى المنمحي: " Dostoevsky : Letters And Reminiscences " دوستويفسكي: رسائل وذكريات: ترجمها إلى الانجليزية: س.س. كوتيلنسكي و ج. ميدلتون ميري 1923 " " تتبعه بصفحتين، بورتريه دوستويفسكي الشهير للرسام: فاسيلي بيروف .

تبعاً لسياسة الموقع، سوف أضطر إلى تجزئة الرسائل إلى أجزاء.. ومن يقرؤون دوستويفسكي يعرفون جيداً أنّ أهمّ الخصال الأولى التي ينبغي لقارئه أن يتحلّى بها الصبر والتمعّن.. ومن أجل إبحار في محيط هذا الرجل.. تابعوني في ترجماتي لهذه الرسائل الكاملة..

ترجمة: أراكة عبد العزيز

ثماني رسائل لم تنشر حتى اليوم.. كتبها الروائي العظيم فيودور دوستويفسكي "واحد من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين، وأعماله كان لها أثر عميق ودائم على أدب القرن العشرين. "إلى صديقه الشاعر الروسي أبولون مايكوف" شاعر روسي، اشتهر بالشعر الغنائي الذي يصور القرى الروسية والطبيعة والتاريخ الروسي، استخرجت هذه الرسائل المدّخرة مع أخريات من نسخهنّ الأصلية الكائنة في قسم بوشكين في أكاديمية العلوم الروسية في بطرسبرغ .

إن الرسائل المنشورة هنا، هي ذات أهمية شديدة، ويتأتى ذلك في المقام الأول من لهجتها الصريحة والصادقة، واحتوائها أيضاً على الكثير من الحقائق التي تمسّ حياة دوستويفسكي خارج البلد في الفترة ما بين 1867 إلى 1871 .

كان مايكوف صديقاً مبجّلاً لدى دوستويفسكي، وكانت صداقتهما التي بدأت قبل 1848، الصداقة الأقوى بحكم توافقهما في الآراء ووجهات النظر السياسية.

وبالنظر إلى هذا التوافق والتواؤم الفكري "فإن الصديقين الذين كان في وسعهما فهم بعضهما البعض وجهاً لوجه ، كانا يعايشان التفاهم والتوافق ذاته من خلال رسائلهما" وهذا هو ما يفسّر لماذا اكتسبت هذه الرسائل دلالتها المميزة.

إضافة إلى ذلك، فإن هذه الرسائل تحتوي على أعمق قناعات دوستويفسكي حول روسيا والشعب الروسي، وأكثر نبوآته حول مصير ومستقبل روسيا ، وآرائه حول الغرب "الفاسد والمتحلّل".

هذه الرسائل هي على درجة كبيرة من الأهمية كونها تفضي لنا بتاريخ كتابة دوستويفسكي لرائعته "الأبله"، وأفكاره حول هذه الرواية، كما تضع بين أيدينا توضيحاً موجزاً وواضحاً حول فكرة رائعته الأخرى "الشياطين" أو " الممسوس" كما عُنونت في الترجمة الإنجليزية. إنّها لا تكتفي بكلِّ هذا بل تُعطي مَلمحاً عن الاعتبار القوي لعلم النفس في النشاط الإبداعي لدوستويفسكي، و تقدّم آراءه الأدبية ومحاكماته لبعض الكتاب والأدباء، كتلستوي، تورجنيف، ستشدرين، و دانيلفيكسي .

" الرسالة الأولى "
إلى أ.ن. مايكوف
جنيف 13 كانون الأول 1867 / 12 كانون الثاني 1868
صديقي العزيز والرائع، أبولون نيقولايفيتش..

و أخيراً أتى الوقت الذي تمنحني فيه الدنيا سعةً كي أكتب لك صفحتين كاملتين! إنني أفكّر فيما تظنّه بي! أنّني سلوتك ؟! لا! أنا متأكد من أنّك لن تفكر فيّ على هذه الشاكلة. صدّقني: ليس لدي من الفراغ ولو ساعة في اليوم، و أنا أعني ذلك حرفياً. لقد نسيتُ تماماً. مالذي يفعله باشا الضعيف؟ هذا الذي لم أبعث له مالاً منذ ما يقارب الشهرين؟ (رغم أنني لا أملك بمعنى الكلمة أقلَّ قدر من المال لأبعث به إليه) .

سأكتبُ وأوضّح لك كل شيء، وسأنتظر بالمقابل جوابك على هذه الرسالة بفارغ الصبر، سأكون في ظلامٍ يُميتني حتى يُحييني ضوء رسائلك.

بالنسبة إليّ، فهذه قصتي: أنا يا صديقي، أكتب وأعاني العذابات، هل تعرف ما معنى أن تحرّر نصاً؟ لا! شكراً للرب أنك لا تعرف! أعتقد أنّك لم تختبر يوماً تجربة الكتابة قسراً، وضمن قياسات محددة! لا لم تختبر يا صديقي كلَّ هذه العذابات الجهنمية.

لقد تلقيتُ سلفاً من روسكي فيستنك الكثير من المال (رقم مهول! 4500 روبل) ، امتلأتُ بالأمل في بداية العام بأن الأدب لن يخذلني، وأن فكرة من أفكار الخيال الواسع ستومض وتتّسع هالتها حتى تستحيل عملاً فنياً خالصاً في نهاية هذا العام، وأن عليّ النجاح في إرضاء الجميع. كذلك، فقد بدا لي أن هذا يروقني نظراً لكثرة تلك الأفكار الإبداعية التي تومض في عقلي وروحي، لتكون في غاية الإبداع والابتكار. لكنها ومضات يا صديقي فقط، وهي بحاجة إلى إدراك متكامل، الأمر الذي لا يأتي دائماً إلا بشكل مباغت وبصورة غير متوقّعة. إنّه لأمرُ عسير أن تستطيع تحديد متى تأتي تلك الأفكار، حتى تعرف متى تذهب! فقط وفيما بعد عندما يحرز الواحد منا صورة كاملة في قلب أحدٍ منّا، حينها يستطيع الإنسان الكتابة الفنية. وربّما حينها يستطيع المرء تحديد الأفكار وحسابها من دون ارتكاب أي خطأ!.

حسناً: وهكذا فعلى مدى الصيف والشتاء قمتُ باختيار العديد من الأفكار (بعضها بالمناسبة كان إبداعياً وخلّاقاً) ، لكنّ تجربتي وهبتني دائماً القدرة على الشعور مسبقاً بزيف أو صعوبة أو الطبيعة العابرة لهذه الفكرة. وبالفعل ففي النهاية ، انتقيتُ فكرة من بين رفيقاتها وعملتُ على لملمتها، وقمتُ بكتابة كمية هائلة من فكرة هذه الرواية، لكن في الرابع من ديسمبر.. ألقيتُ بكل ما كتبته إلى أفواه الجحيم التي لا تطمع إلا بالمزيد!
"كونوا معنا في ما تبقى من هذه الرسالة في التدوينة القادمة"