المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنور السليماني  Headshot

العلمانية والدّين السُّلطوي

تم النشر: تم التحديث:

العلمانية التي سأتطرق إليها في مقالي هذا ليست تلك العلمانوية التي تستهويها النخب العربية المفلسة التواقة لحكم العسكر ومن لا يؤمنون باختيار الشعوب رغم تغنيهم بما يطلقون عليها مسمى الدولة المدنية ودولة الحريات.

كما لا أقصد بالدين السلطوي ذلك الدين المتحرر من قيود الطغيان والبهتان، فالدين الحقيقي هو الذي كرّس وأسّس لمفاهيم التّحرر والتي جاءت كاملة شاملة في أقدس كتاب وهو القرآن.

العلمانية مبادئها ثابتة لا مواربة فيها، العلمانية كما هو معلوم ترفض تدخل الدين في الحياة السياسية والشخصية، كما أنها ترفض توظيف الدين لأهداف سياسية، فهي عادلة مع مبادئها وقيمها التي أُسّست لأجلها بعد صراع مرير مع رموز الدين المسيحي المحرف.

وهنا يجب علينا التركيز على العلمانية التي تعترف بالحقوق وتحترم الإنسان قبل شماعة الأوطان، وليس العلمانوية التي تبرر إقصاء الغير والاستعانة بالدبابة لفرض الآراء والتوجهات الكبرى لمعالم الدولة، فالعلمانية بسيطة في مبادئها، جميلة في طياتها كلما تمت مقارنتها مع الدين السلطوي وعرابيه من المشايخ، فهم في أحسن الحالات عبارة عن خدّام العلمانوية البحتة، خاصة في بيئتنا العربية المكلومة التي فضحت كل الممارسات والأفعال التي لا طالما تغنى بها البعض من أصحاب الفكر العلماني والعلمانية منهم براء، كما فضحت شيوخ الدين والذي تم كشف خذلانهم وجبنهم عند أول امتحان مع الحرية.

فالعلمانوية تعمل على مأسسة الفساد والسكوت عنه والعمل على شيطنة كل راغبٍ للبديل طامحٍ للتغيير، فالشعوب تواقة للأحسن خاصة وهي تصارع واقعها المرير في حضرة الأسوأ، ولكن أمامها عقبات وعقبات، ومن بين هذه العقبات ما أتطرق إليه في هذه العجالة حول مسألة الانحراف عن الدين وعن غايته الأولى والمتمثلة في إخراج الناس من عبادة العباد إلى توحيد رب العباد، مع الحرص على مال الأمة وثرواتها، والتأكيد على مبادئ الشورى في مسائل الحكم والتداول على السلطة والخروج وعزل الحاكم الظالم الفاجر ولو كان مطبقاً لشريعة الله والتركيز على حسن الاختيار لمن يتولى التسيير والتدبير، فالمسؤولية كما قرر الفقهاء تكليف لا تشريف، والسعي إلى إقرار مبادئ العدل والحرية، ولعل الإمام ابن تيمية أجاد وأفاد عندما نبّه لمسألة الكفر والإيمان ومقارنتهما بالعدل والطغيان؛ حيث قال في مقولته الشهيرة: "إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة"، كل هذا ناهيك عن محاربة الدين المتحرر لكل أشكال أنواع الفساد والتزوير والكذب، ولكن نأسف لقصور العلماء وعدم تطرقهم للفقه السياسي الأصيل وتجديده مع ما يتوافق وبيئتنا المعاصرة؛ حيث نجد قصوراً معتمداً من جهة وجبناً أصيلاً لدى بعض المشايخ من جهة أخرى، مبررين جبنهم بعدم الاجتهاد ولا فتح هكذا مسائل حساسة قد تزعج السلطان وزبانيته، ولو عدنا قليلاً لمشايخ السلطان في عصرنا الحالي لوجدنا أغلب كلامهم وحفظهم متعلقاً بالنصوص الخادمة للسلطان الفاسد الظالم مع إخراجها - النصوص - حسب الطلب والحاجة، ولكم أن تراجعوا معي ما فعلته وتفعله الآلة الدينية المصاحبة للمادة الإعلامية البعيدة عن الاستقلالية في تبنيها للفكرة وتوجيهها للرأي العام، فاجتمع المحرف والمنحرف في آن واحد، والسبب رفض التغيير والعمل على إحياء نموذج جديد من رجال الدين بالمقابل نخبة إقطاعية جديدة متحكمة في صناعة القرار عن طريق لوبيات نافذة، فرجل الدين يعمل على إضفاء الشرعية الدينية للإقطاعي المتسلط المتفرد بصنع القرار.
وكأنَّ للتاريخ دورة مملّة ألبسها البعض ثوب الدين الإسلامي، فنحن أمام صراع قيمي ومسؤولية كبيرة يواجهها رواد الفكر والعلم في مواجهة العقلنة الغربية والتدين التقليدي الشرقي، وكيفية التوفيق بينهما في ظل الردة القيمية التي تعيشها المنظومة الإسلامية السلطانية المدعومة بقوة البترودولار، فأزمات اليوم لا الإمام المجدد عبد الكريم المغيلي يجابهها، ولا المفكر مالك بن نبي يصبر على تطويعها، ولا العلامة البشير الإبراهيمي يقومها ويقيمها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.