المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنور السليماني  Headshot

إسلامَويّو النظام وإسلاميّو الشعب

تم النشر: تم التحديث:

لست هنا لقراءة المشهد السياسي المهترئ في الجزائر جرّاء توظيف المال القذر والأجهزة الأمنية التي تفننت في تفكيك المفكك وتجزئة المجزأ، بالإضافة إلى تمييع الساحة السياسية والفكرية، كل هذا ساهم في إفراغ الساحة لوجوه ونخب معينة رغم رداءتها فإنها تقدم خدمات جليلة للنخب الحاكمة، سواء كانت المدنية أو العسكرية أو حتى الاقتصادية، وهذه الأخيرة صنيعة الأولى والثانية.

سأحاول اجتناب كرونولوجيا الانتخابات التي شهدتها الجزائر، ولو ركزنا في هذا الحدث لوجدنا حقيقة اختيار الشعب من عدمه، فالانتخابات التي جاءت بمن اختارهم ليست هي الانتخابات التي عملت الأجهزة الأمنية وبالضبط العسكر والمخابرات على ضبط الكوتة -الحصة- لمن اختاروهم لتزيين المشهد السياسي والذي تطور إلى فلكلور سياسي بامتياز، ولعل تصريح الفريق محمد العماري ذات يوم للتلفزيون العمومي بأنه ليس مع أي حزب، وبأن العسكر حيادي وهو يقبل بنتائج الصندوق حتى لو جاءت بجاب الله الإسلامي، فهذا النفي هو في الأصل يثبت حقيقة تفكير المؤسسة العسكرية التي لعبت دوراً مهماً في الانقلاب على الإرادة الشعبية والتي اختارت الإسلاميين في أول انتخابات تعددية في الجزائر، وكان الفوز حينها حليف الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

من هنا يمكننا البدء في تشريح الأحزاب الإسلاموية - والإسلامية في الجزائر، فالأحزاب الإسلاموية التي استعين بها بُعيد الانقلاب على حزب جبهة الإنقاذ الإسلامي يبرز لنا نمطية تفكير صانع القرار الخفي المعقد بين الاستئساد الداخلي والالتزام بالقرار الخارجي - وهذا الأخير نابع من ضعف شخصية الحاكم وكيفية وصوله للحكم- قلت إن الإسلاموية أصبحت موضة الأنظمة الانقلابية في كل مكان وزمان، ولو تمعنا في الخارطة السياسية في جميع الدول العربية لوجدنا السيناريو واحداً، حركات وأحزاب وقيادات إسلامية فاعلة ممنوعة بقوة الإكراه وأخرى مقبولة ومسموح لها وفق الحاجة التزيينية للمشهد السياسي، فالإسلاموية هي ممارسة رديئة أكثر منها فكراً، والإسلامية هي حق أكثر منها قناعة، الإسلامويون يساهمون في تثبيت الانقلاب وبتبريرات لا يقبلها العقل المجتمعي، بالمقابل الإسلاميون يعملون على تغيير الواقع الذي يطمح له الوعي المجتمعي، الإسلامويون يساهمون في اغتنام الفرص الضيقة لصالح مصالح حزبية ضيقة، وَهَذَا الذي يعرفه جيداً النظام الجزائري وإلا كيف نفسر تصريح أويحيى رئيس الحكومة سابقاً -الآن وزير أول- عندما كان يقدم حصيلة حكومته وقام بعض نواب "التيار الإسلاموي" البرلمان ونددوا بتصريحاته مرددين عبارة حكومة سراقة، فأجابهم أويحيى كان معنا خمسة وزراء من حزبكم والآن سبعة وزراء، يعني كان معنا خمسة سراقين واليوم سبعة، بعيداً عن كلام أويحيى لكن إجابته بينت مدى الشرخ الذي يساهم فيه الإسلامويون في تحطيم النضال والبديل الذي تتغنى به قياداتهم.

بالمقابل صرح أويحيى قائلاً في أحد تجمعاته إن الوعاء الانتخابي الذي يغيب دائماً عن الاستحقاقات الانتخابية معروف توجهه في إشارة له لثلاثة ملايين ناخب انتخبوا جبهة الإنقاذ المحلة.

ولو تعمقنا في فهم حقيقة الإسلاموية والإسلامية في المجتمع الجزائري لأدركنا الفرق الشاسع بينهما، فيمكنك أن توظف أدوات التحليل كاملة عند تشريح المشهد السياسي، وسأعطي بعض النقاط لعل البحاثة يستفيد منها مستقبلاً، فلا يمكننا التركيز على موضوع كبير كهذا في مقالة محدودة.

قلت لو نركز على التعبئة التي يحظى بها قيادات الإنقاذ المحل وتأثيرهم في الشارع الجزائري لفهمنا سبب منعهم ليومنا هذا فحلهم قانوناً وتجذرهم شعبياً، لو حاولنا تحليل شعارات الملاعب والأهازيج السياسية وقياساً عليها أين نضع مكانة القيادات الإسلامية الثورية الرافضة للنظام الحاكم، لو تابعنا مسيرات وتجمعات قيادات الإنقاذ وأنصارها، لو تتبعنا حراك الحركات النضالية منها حراك البطالين ورفض الغاز الصخري واحتجاجات الشباب، وشرّحنا نمطية خطاباتها ومن أين تستلهم وكيف توظَّف نضالياً! لو قمنا بدراسة مسحية لكبرى الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي المهتمة بالوضع السياسي ومدى تعاطيها وتعاطفها مع القيادات الإسلامية بالمقابل مع الإسلاموية، لو ركزنا مع تعاطي الإعلام غير المستقل مع نشاط ومضايقات الطرفين.

حصرت هذا التصنيف في طرف ونقيضه ممن يتبنى العمل السياسي الحركي دون غيره، فلا يمكننا التطرق للحركات السلفية الجهادية أو العلمية وحتى السلطوية بحكم توجهاتها، فيمكننا تصنيف السلفية إلى ساخطة وأخرى وظيفية لمن حكم بقوة الحديد والنار، وقد تصبح الجهادية أو حتى العلمية بجزء يسير وعاء انتخابياً آنياً.

فالإسلاموية والإسلامية لا يمكننا فهمهما دون الرجوع إلى حقيقة المشهد السياسي كاملاً متكاملاً، ففي الأخير عندما يصرح رئيس حزب سياسي إسلاموي سابق متهماً الإسلاميين سبباً في تراجع مكانتهم فهو لا يلوم إلا السلطة؛ لأن الجزائر لو تشهد انفتاحاً سياسياً سيعود الجميع إلى حجمه الأصلي والحقيقي بدون مزايدات إعلامية لا تقدم ولا تؤخر من حقيقة الواقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.