المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Anne Sinclair Headshot

صباح الحرب

تم النشر: تم التحديث:

تتصارع الأفكار وتتخبط وتتلاحق فرادى وأسراباً.

  • نهرع لنطمئن على سلامة أطفالنا وأصحابنا ونتأكد أن معمعة الهجوم لم تغيّبهم، تتوالى اتصالات الرفاق والأصدقاء من كل حدب وصوب ليطمئنوا علينا، فالكوكب متحدٌ تصلنا فيه الأخبار والمعلومات أولاً بأول دون تأخير أو قيود.
  • نستيقظ على نفير الحرب في باريس، عشتُ وأبناء جيلي الظرف نفسه صغاراً أثناء حرب الجزائر عندما أهاب رئيس الوزراء الفرنسي ميشيل دوبريه بكل أهالي باريس أن يتصدوا لمنظمة الجيش السري (الأو. آ. إس) "راجلين أو راكبين أو على السيارات" عام 1961 في الحرب التي أسميناها "انقلاب الجنرالات"، الليلة الماضية رأينا هولاند هادئاً وأكثر رباطة جأش، لكنه كان مذهولاً أكثر من أي وقت مضى.
  • تابعنا بلا انقطاع صوراً لا معنى لها، حملقنا في بلاهة بينما عصفت المحنة والفوضى والفزع بالناس وهاجت وماجت في صدورهم كوحوش كاسرة بعد يوم طويل من ملاحقة الفاعلين وتصيدهم والتربص بهم والاستماع للشهود وحشرجة أصواتهم، إذ يروون لنا قصة هربهم من مجزرة، بل من موت محقق، في المقهى أو في مسرح باتاكلان.
  • تساءلنا وتساءلنا عن هذا النمط الجديد من الإرهاب الذي تفوق على نفسه من جديد ليصل أبعاداً جديدة، هذه المرة لا رسول ينتقمون له ولا أفراد شرطة أو صحفيين أو قادة عسكريين أو يهود يستهدفونهم، بل هي رصاصات طائشة عمياء رشقوا بها كل من وقع أمامهم شباباً كانوا أم كهولاً لا فرق، استقرت في صدور هؤلاء العامة الذين أتوا لا يلوون على شيء سوى قضاء وقت مسلٍ مبهجٍ على وقع الموسيقى ذات ليلة من ليالي نوفمبر\تشرين الثاني، تساءلنا من دون طائل فهذا لا يعقل، لكن اللامعقول هذا أفلح في ترويع الفرنسيين ومنع فرنسا من النيل من مخربيها، غير أنه عزز لحمة فرنسا الوطنية التي ما فترت وشائجها منذ أيام شارلي.
  • جالسون في انتظار نتائج وأجوبة التحقيقات بالتأكيد، لكن حقيقة أليمة ماثلة أمام أعيننا تقض مضاجعنا، ألا وهي أننا أمام وضعٍ تحولَ فيه صبيةٌ ضالونَ شاردونَ إلى قتلة، وأدركنا أننا أمام مجموعة مرتزقة مقاتلين منظمين عملوا بحنكة وصوبوا فوهات أسلحتهم نحو الناس وأردوهم قتلى بأفظع وأشنع الطرق، مجموعةٌ تعرف أحياءنا وشوارعنا، تعرف مسرح باتاكلان وخبيرة بتجمهر الناس والسهارى من رواد البارات والمقاهي في منطقتي ريبابليك وأوبيركامف ليالي الجمعة.
  • نتكاتف سوياً ونتحد صفاً واحداً، نزدري المنتفعين الذين يستغلون الهجمات لمنفعتهم بكل صفاقة وجه كالجبهة الوطنية بالتأكيد لكن ليس الأمر حكراً عليهم وحدهم، فـ "لوران ووكويه" على سبيل المثال لم يتردد -أمام ذهول القانون--في المناداة بفنح مراكز اعتقال لكل من يندرج تحت الفئة "S" (أي تحت المراقبة المشددة)، رغم أن قانون الدولة للطوارئ نفسه والذي سُنّ وطبق خلال حرب الجزائر نأى بنفسه مترفعاً ومنع فتح أي نوع من مراكز الاعتقال!
  • نطبق التعليمات الأمنية حرفاً بحرف ونسير ملتصقين بحائط القانون راجين السلامة خشية أن نشرد خارج حدود بلادنا حِمى الديموقراطية -وليهنأ الإرهابيون بضرب القيود على الحدود!
  • نتخيل مع مسحة تفاؤل إمكانية محو جميع السلبيات التي أعقبت شهر يناير\كانون الثاني والتي أصابت أحياء معينة بالخدر أو حدت بالطلاب للوقوف دقيقة صمت على أرواح الذين ماتوا في شارلي و هايبركاشيه، لعل فرنسا تتحد مثلما حصل إبان خروجنا من الحرب وأصيب الكثير من شعبنا بالحيرة والتخبط، دلوني من في وسعه أن "يستوعب" أعمالاً همجية كهذه؟ من يستطيع فصل نفسه عن لحمة الأمة والنأي جانباً في سخطٍ ونقمة وطنية؟ من منا في وسعه العودة من جديد للقول كما في السابق "يستحقون ما حل بهم، هم أرادوا ذلك"؟ لعل قطرة أمل تترقرق في بحر الدم.

للإطلاع على النسخة الأصلية للتدوينة من هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.