المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

انجي الطوخي Headshot

يا صاحبة الجلالة.. لم يعُد لك أي جلالة!

تم النشر: تم التحديث:

"1"
في شهر مايو/أيار الماضي كنت في عزاء أحد الأقارب، عندما فوجئت بالصغير إياد يلعب حولي، ثم معي، محاولاً التخفيف من حزني، بدأ إياد (7 سنوات) يخبرني أنه يتابع وسائل الإعلام، ويعرف ما يجرى في البلد أولاً بأول، ثم فجر قنبلة صغيرة: "علشان كده لما هكبر هحبس كل الصحفيين، همّا سبب المشاكل اللي بتحصل".

حاولت عبثاً فهم سبب كلمات الصغير الذي لا يعرف معنى صحفي، فبررت والدته بأنه يتابع أزمة الصحفيين مع وزير الداخلية في برامج "التوك شو"، ويعتقد أنهم سبب وقف حال البلد.

"2"
كنا في طريقنا إلى ساقية الصاوي، عندما فاجأتني صديقتي برغبتها في المشي أملاً في بعض الهواء النقي، دقائق معدودة ثم وقفت في منتصف الطريق، وفتحت ذراعيها ناظرة إلى السماء مثل الطير المحبوس الذي يستعد للطيران، وكأنها تخاطب أحداً غير مرئي، قالت: "اكتفيت يا رب، أريد تقديم استقالتي"، كانت عبارة صديقتي تمتلئ بالعبرات المكتومة.

لم تكن مشكلة صديقتي شخصية، إذ قالت: "ما فائدة ما نفعله في الصحافة، إيه التأثير اللي بنحققه لما بنكتب عن الناس، هل في حاجة اتغيرت أو اتصلحت؟!"، وأكملت: "المواطن لم يعد يصدقنا، يرفض الحديث معنا ويدير ظهره إلينا".

كان سبب اكتئاب صديقتي التي تعمل في الصحافة منذ 7 أعوام هو تحقيق تُعده عن الإهمال في محافظات الصعيد، ومواطن قال لها: "هل تضمنين لي يا أستاذة أن مشكلتنا ستُحل، أم أنك مثل بقية الصحفيين تكتبون عنا ثم كأن شيئاً لم يكن، والحكومة تعمل ودن من طين وودن من عجين؟".

لم تستطع صديقتي أن تعده، ورفض الرجل التسجيل معها؛ لأن الصحافة مثل عدمها في البلد، بعد ذلك التحقيق قدمت صديقتي استقالتها، وهي الصحفية الشاطرة، كما يصفها زملاؤها وأصدقاؤنا، ومبررها: "الناس مش شايفين للصحفيين أي لازمة".

"3"
خلال عملي الصحفي مررت بثلاث حالات لم أستطع أن أصنع معها موضوعاً صحفياً شيقاً، والسبب رفض المواطن للمشاركة، إما لأنه يرى الصحفيين بلا تأثير، أو لأن الصحفيين لا يتمتعون بمساحة حرية تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم دون حذف.

يبدو المواطن العادي واعياً لما يجري حوله، حتى وإن لم يخبره أحد بشكل علني، فبحس "ابن البلد" يعلم أن الصحفي أصبح ينشر رأيه لمجرد رغبته في أداء عمله، ولم يعد شعاره "أنه صوت من لا صوت له"، ذلك كله للأسف على عكس ما كان يحدث منذ عامين، حيث كان المواطن يتلهف للحديث بمجرد سماع اسم صحفي، إيماناً بحدوث تغيير على يديه.

عم "سعيد"، صاحب أقدم محل ساعات في منطقة وسط البلد بالقاهرة - كان من تلك الحالات- يبلغ عمر محله 90 عاماً، رفض الحديث على الرغم من ثراء المعلومات التي يملكها، الرجل الستيني قال بنبرة منكسرة: "وهيفيد بإيه إني هتكلم يا أستاذة هل الصحافة هتنشر رأيي السياسي زي ما هو؟ ما لوش لزوم".

"أم غادة"، من بطن البقرة، أخبرتني بأن خبرتها في التعامل مع الصحفيين تفوق أي شيء آخر، الذين يستغلون فقرها وعجزها من أجل صنع الأفلام الوثائقية: "كلامي معاكي ما لوش تأثير، الحكومة عارفة مشكلاتنا، وعمرها ما عملت حاجة، اللي بتكتبوه كأنه حبر بيتكتب على ميّه".

الحزن في صوت عم "سعيد"، والحكمة في حديث "أم غادة" لم تكن من ضمن مواصفات الحالة الثالثة، وهو صاحب مقهى بسخرية عبَّر عن رأيه: "لا مؤاخذة يا أستاذة، ولكن الصحفيين موظفين بيعملوا شغل لمجرد إنهم يحافظوا على مرتباتهم، مش فارق معاهم مواطن ولا غيره".

"4"
لأول مرة - منذ فترة طويلة - تعاني "صاحبة الجلالة" من طرفيها "المرسل والمتلقي"، الصحفي والمواطن اللذين قررا التخلي عنها طواعية، بعد أن رأيا فيها قتلاً لأحلامهما لا بناءها كما هو مفترض في دورها!

فهناك ما لا يقل عن 20 صحفياً وصحفية أعرفهم بشكل شخصي قدموا استقالاتهم في آخر عامين، هذا بالإضافة إلى عشرات الصحفيين الآخرين، ليس بسبب ضعف الموارد المالية الذي يشتد مع مرور الوقت فقط، أو انخفاض سقف الحرية الذي يزيد تدريجياً حتى يكاد يختفي، أو حتى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن يضاف إلى ذلك شعور بأن "الصحفي فقد تأثيره".

أما جملة "بلاط صاحبة الجلالة، أو السلطة الرابعة" التي تصف المجال الصحفي صارت مضحكة، فبعيداً عن زمرة المثقفين وجلسات ذوي الباقات السوداء لا يعترف المواطن إلا بالكلمة التي تغير حاله.

"5"
بعد كل ذلك تبدو مشاعر "إياد" مفهومة، وكلماته التي نطقها بعفوية معبرة عما وصل إليه حال الصحافة، فالعلاقة بين "الصحفي والمواطن" تحولت إلى علاقة شائكة لتبقى هي المسمار الأخير في نعش الصحافة الذي يسير في طريقه دون أن يستطيع أحد منعه.

فالمواطن لا يعرف أن الصحفي يتم تقليم أظافره يوماً بعد يوم، بسحب صلاحياته وقدرته على تحقيق التغيير الحقيقي، من خلال حجب المعلومات أو وضع حدود لحرية النشر والتحقيق، وزيادة الرقابة، وسيفكر أن الصحفي إما أنه يعمل من أجل مصلحته الشخصية؛ حيث الرغبة في السبق الصحفي، والحصول على الشهرة، أو أنه يعمل ضد المواطن نفسه.

كذلك الصحفي الذي يتمسك بالمواطن للاستمرار في المهنة كالغريق الذي يقبض على القشة الأخيرة قبل الغرق، لن يجد منه أي دعم، فهو الآخر يعانى من الظروف الاقتصادية الطاحنة، وهو يرى أن الصحفي هو المسؤول عن كسب ثقته، وليس العكس.

وهناك عدد من الصحفيين تحول دورهم فقط إلى نشر الأكاذيب المدمرة، ومع غياب أي وثيقة شرف إعلامي أو ملاحقة وحساب من جهة محايدة! تتحول نسبة الثقة في الصحفي إلى صفر! ويبقى المتضرر الأوحد هو بلاط صاحبة الجلالة والفاعل غير مجهول!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.