المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس السبطي Headshot

موسم جلد الفصائل الفلسطينية

تم النشر: تم التحديث:

بقدر ما أثبتت انتفاضة القدس بعفويتها، والتي استمرت للأسبوع الرابع ولا تزال، أصالتها وعمق تمثيلها للشعب الفلسطيني بقدر ما اعتبرها البعض دليل ضعف للفصائل وتعبيراً شعبياً رافضاً لها، الشيء الذي جعلهم يتحدثون عن تدشين مرحلة جديدة يقود الشعب فيها نفسه بنفسه دونما حاجة لتوجيه أو تأطير من أحد، أو أن تتم إعادة بلورة الساحة السياسية بقيادة مختلفة عن السابق.

لا شك أن هذا الحديث ليس وليد اللحظة، فلم يكن عدد من النخب الفلسطينية والعربية يدع أية مناسبة فيما مضى للتبشير بضرورة إحداث انقلاب في المشهد الفلسطيني للخروج به من أزمته التي يقدرون أنها أزمة فصائل، وهو ما يؤدي بهم إلى أن يصبوا جام غضبهم عليها ورميها بكل نقيصة، ثم الدعوة إلى البحث عن خيارات أخرى تزيحها من الساحة، وهذا الذي حدا بهم وبحماس بالغ إلى أن يلتقطوا تداعيات الانتفاضة الراهنة لتخيل سيناريوهات تنسجم مع ما قرروا مسبقاً دون قراءة جيدة لمستجدات الحالة الراهنة.

لسنا هنا بصدد الدفاع عن الفصائل بالمطلق، وندرك أن ثمة وجاهة في كثير من الطروحات النقدية لأدائها، غير أن هذا لا ينبغي أن يصل إلى مستوى التحامل المرضي ضدها واختزال كل المشاكل فيها وتلبس الطهرانية والمبدئية في الخارج الفصائلي، ما يكشف حقيقة أن الأزمة أكبر من التنظيمات فهي أزمة مثقفين ونخب أيضاً الذين يصرفون حساسياتهم النفسية وحساباتهم السياسية والأيديولوجية في مواقفهم وتحليلاتهم، وهو ما تكون عواقبه وخيمة لا تقل عما تتسبب به الفصائل في مسار القضية.

وهذا ما نلمسه جلياً في الوقائع التي يستندون إليها والتي لا تسعفهم على كل حال، فحكاية عفوية الحراك الأخير أمر غير جديد على المستوى الفلسطيني، حيث إن الانتفاضتين السابقتين هما أيضاً كانتا عفويتين ثم ما لبث أن ظهر دور الفصائل بتوجيهها وقيادتها لها.

وهذا الأمر ليس خاصاً بالبيئة الفلسطينية، ذلك أن أي ثورة على مر التاريخ لابد أن تكون العفوية سمتها البارزة ثم يتم تأطيرها بعد ذلك، إن وجدت تلك الطليعة المؤهلة بذلك والمحتضنة شعبياً، وهذا لا يعيب التنظيمات ولا ينقص من قدرها، ما يعيبها حقاً هو ألا تكون في مستوى تطلعات شعبها وفي حجم تضحياته بعد تسلمها زمام أمره، والحالات التي ظنت تلك التنظيمات أنها قادرة على المبادرة ثم تتبعها الجماهير أحرقت ذاتها فيها ولم تحصد إلا الخيبات، ذلك أن الثورة أي ثورة لا تهندس مهما تظافرت الجهود لأنها مرتبطة بشروط موضوعية ينبغي أن تنضج حتى تثمر فعلاً حقيقياً.

ومع ذلك فإن اتهام الفصائل بالغياب عن هذه المحطة غير صحيح، فمنذ بداية انتفاضة القدس بدا حضور الفعل الفصائلي واضحاً سواء من خلال الحركة الطلابية ودورها في إمداد وقود مميز لها أو من خلال عدد من الفعاليات الجماهيرية الأخرى، وستكون مسؤولية التنظيمات أعظم إذا زاد زخم هذا الحراك، حينها ستعتبر أية مطالبة لها بكشف حسابها النضالي معقولاً.

أما الدعاوى التي يطلقها البعض بتنحي العمل المنظم عن واقع الانتفاضة لصالح قيادة الجماهير المباشرة فهي دعاوى مثالية وتنطوي على قدر كبير من اللامعقول، فلا يوجد تجمع بشري في أي زمان أو مكان يظل بلا قيادة، والحقيقة أنه من المستغرب أن تغفل هذه الثلة المثقفة هذه البديهية.
هناك حقيقة واضحة لمن يقرأ التاريخ المعاصر للفصائل النشيطة في الساحة وهي قدرتها على مجاراة الأحداث وتجديد ذاتها على الأقل على المستوى الجزئي ما يمنحها عنصر الاستمرارية والبقاء في المشهد رغم أخطائها.

ويمكن أن نستحضر هنا تجربة الإخوان المسلمين الذين انخرطوا في العمل المقاوم بشكل كلي إبان الانتفاضة الأولى وسطّروا بعدها تضحيات عز نظيرها، والأمر ذاته حدث مع قطاعات واسعة في حركة فتح رغم التورط في أوسلو الذي لم يمنعهم من المشاركة الفعالة في انتفاضة الأقصى، وهذا ما جعلهم مع باقي الفصائل الفاعلة يحظون بشرعية يصعب انتزاعها منهم خصوصا أنهم حسب مؤشرات كثيرة منتظمون في انتفاضة القدس، ومن المتوقع أن تتنامى أدوارهم فيها.

هذه الشرعية كما ذكرنا لم تأت من فراغ وهي ناجمة عن قوة التدافع الداخلي بين الأجيال المتعاقبة على القضية الفلسطينية، فكلما بدا التعب على جيل أو استعد لتسوية ما أو حتى تورط في مشروع تصفوي للقضية إلا ويأتي جيل آخر يصحح المسار ويوجه البوصلة باتجاهها الطبيعي، هكذا ومن أبى فإن الأحداث تلفظه ويصبح نسياً منسيا.W

الفصائل إذن ليست جزراً معزولة عن المجتمع الفلسطيني، وليست كياناً معادياً له على الرغم من خطايا بعضها بحقه، فهو من أفرزها وهو من يمنع ظهور أية بدائل حقيقية لها لحد الساعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.